ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

ثم يقول تبارك وتعالى : وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ( ٧ ) .
الحق – سبحانه وتعالى – حينما يطلب من رسوله أن يذكر يريد منه أن يذكر تذكيرا مرتبطا بنيته، لا ليقطع العتب عن نفسه، فالمسألة ليست جهرا بالتذكير.
وإذا كان الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم : إنني سأحرس سرك كما أحرس علانيتك، وأن الجهر عندي مثل السر، بل وأخفى من السر، وهو صلى الله عليه وسلم مؤتمن على الرسالة فإنه تعالى يقول أيضا لأمته : إياكم أن تقولوا كلاما ظاهره فيه الرحمة، ونيتكم مستقرة عليه ؛ لأن الله كما يعلم الجهر يعلم السر، وما هو أخفى من السر.
وتكلمنا عن الجهر، وهو أن تسمع من يريد أن يسمع، والسر : أن تخص واحدا بأن تضع في أذنه كلاما لا تحب أن يشيع عند الناس، وتهمس في أذنه بأنك المأمون على هذا الكلام، وأنت ترتاح نفسيا حينما تلقي بسرك إلى من تثق فيه، وتأمن ألا يذيعه، وهناك في حياة كل منا أمور تضيق النفس بها، فلا بد لك أن تنفس عن نفسك، كما قال الشاعر :

ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة يواسيك أو يسليك أو يتوجع
فأنت – إذن – في حاجة لمن يسمع منك ليريحك، وينفس عنك، ولا يفضحك بما أسررت إليه.
ومعنى : وأخفى ( ٧ ) ( طه ) : أي : أخفى من السر، فإن كان سرك قد خرج من فمك إلى أذن سامعك، فهناك ما هو أخفى من السر، أي : ما احتفظت به لنفسك ولم تتفوه به لأحد.
لذلك يقول تعالى : وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ( ١٣ ) ( الملك ) : أي : مكنوناتها قبل أن تصير كلاما.
وقال أيضا : ونعلم ما توسوس به نفسه.. ( ١٦ ) ( ق ) : فوسوسة النفس، وذات الصدور هي الأخفى من السر، فلدينا – إذن - جهر، وسر، وأخفى من السر، لكن بعض العارفين يقول : وهناك في علم الله ما هو أخفى من الأخفى، فما هو ؟ يقول : إنه تعالى يعلم ما سيكون في النفس قبل أن يكون.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير