ويقال: الثَرَى بيني وبين فلان نَد، إذا لم ينقطع ما بينك وبينه، ومنه (١) قول جرير (٢):
| فَلاَ تُوبِسُوا بَيْنِي وبَيْنَكُمُ الثَّرَى | فإِنَّ الذِي بَيْنِي وبَيْنَكمُ مُثْرى |
٧ - قوله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرّ اختلفوا في وجه هذا النظم، ومعنى الآية، وكان من حق المقابلة أن يقول: وإن أسررت القول فإنه يعلم السر.
فقال المفضل: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ أي: ترفع صوتك بالقراءة فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرّ وَأخْفَى فلا تجهد نفسك بالمبالغة في رفع الصوت؛ فإنك وإن لم تجهر [به وأسررته علم ذلك السر) (٤).
وقال صاحب النظم: (معناه وإن تجهر بالقول فتظهره] (٥) فهو يعلم
(٢) البيت لجرير. انظر: "ديوانه" ص ٢١٣، "الصحاح" (ثرى) ٦/ ٢٢٩٣، "لسان العرب" (ثرا) ١/ ٤٨٠.
(٣) "الكشف والبيان" ٣/ ١٥ أ، "بحر العلوم" ٢/ ٣٣٦، "النكت والعيون" ٣/ ٣٩٤، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٦٣، "زاد المسير" ٥/ ٢٧٠، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ١٦٩.
ود ذكر ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" ٣/ ١٥٧ بعض هذه الروايات وضعفها وقال غريبة جدًّا، ورفعها فيه نظر.
(٤) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "زاد المسير" ٥/ ٢٧٠، "التفسير الكبير" ٢٢/ ٨، "الفتوحات الإلهية" ٣/ ٨٢، "مجمع البيان" ٧/ ٦، "فتح القدير" ٣/ ٥١٠.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (س).
السر وأخفى منه فكيف الجهر) (١). وذكر وجهًا آخر وهو: أن يكون في الكلام اختصار على معنى: وإن تجهر بالقول، أو لم تجهر فهو يعلم السر وأخفى منه. أي فما حاجتك إلى الجهر، أي: إن في غير الجهر كفاية لك.
فأما معنى: (السر وأخفى) قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: (السر ما علمت أنت مما أسررت في نفسك، وأخفى من السر ما لم يكن بعد وهو كائن) (٢).
وقال في رواية الوالبي: (السر: ما أسر ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، والله يعلم ذلك كله، فيعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد) (٣). وهو قول مجاهد، وقتادة، وسفيان، والضحاك، وسعيد بن جبير (٤). وأكثرهم قالوا: (السر ما أسره في نفسه، وأخفى: ما لم يحدث به نفسه مما يكون في غد) (٥).
وقال عكرمة: (السر: ما حدث به الرجل أهله، وأخفى: ما تكلمت به في نفسك) (٦).
(٢) "جامع البيان" ١٦/ ١٤٠، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٦٤، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ١٧٠، "الدر المنثور" ٤/ ٥١٩.
(٣) "معالم التنزيل" ٥/ ٢٦٤، "زاد المسير" ٥/ ٢٧١، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ١٧٠، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٥٨، "الدر المنثور" ٤/ ٥١٨.
(٤) "تفسير القرآن" للصنعاني ٢/ ١٤ "جامع البيان" ١٦/ ١٤٠ "بحر العلوم" ٢/ ٣٣٦ "النكت والعيون" ٣/ ٣٩٤، "الكشف والبيان" ٣/ ١٥ ب.
(٥) "جامع البيان" ١٦/ ١٤٠، "النكت والعيون" ٣/ ٣٩٤، "زاد المسير" ٥/ ٢٧١، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ١٧٠، "الدر المنثور" ٤/ ٥١٩.
(٦) "جامع البيان" ١٦/ ١٣٩، "بحر العلوم" ٢/ ٣٣٦، "الكشف والبيان" ٣/ ١٥ ب.
وهذا قول الحسن (١). وعلى هذا؛ المراد: وأخفى منه إلا أنه حذف منه للعلم به. قال المفضل: (ومثله قول القائل: الله أكبر، معناه: أكبر من كل شيء) (٢). وأنشد قول الفرزدق (٣):
| إِنَّ الذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا | بَيْتًا دَعَائِمُه أَعَزُّ وأَطْوَلُ |
قال المبرد: (لم يقل: وأخفى منه؛ لأنه قد ذكر السر فبان ما يتصل بأخفى، كقولك: فلان كالفيل أو أعظم، والعرب تحذف ما لا يبطل المعنى استخفافًا واختصارًا، ألا تراهم يقولون: أزيد أفضل أم عمرو، وتمام الكلام: أزيد أفضل من عمرو أم عمرو أفضل من زيد) (٤).
وقال زيد بن أسلم في قوله: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى: (يعلم أسرار العباد، وأخفى سره عنهم فلا يعلم) (٥). فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير محذوف؛ لأن أخفى على هذا القول أَفْعَل من الإخفاء. وعلى القول الأول أفعل من الخفاء، والألف للتفضيل.
وذهب قوم إلى أن (أخفى) هاهنا بمعنى الخفي، وأفعل يأتي في الكلام ولا يراد به التفضيل. كقول الشاعر:
(٢) لم أقف عليه.
(٣) البيت للفرزدق. انظر: "ديوانه" ٢/ ١٥٥، "الأشباه والنظائر" ٦/ ٥٠، "خزانة الأدب" ٦/ ٥٣٩، "شرح المفصل" ٦/ ٩٧، "المقاصد النحوية" ٤/ ٤٢، "لسان العرب" (كبر) ٦/ ٣٨٠٨.
(٤) ذكره نحوه بدون نسبة الطبرسي في "مجمع البيان" ٧/ ٦.
(٥) "جامع البيان" ١٦/ ١٤٠، "النكت والعيون" ٣/ ٣٩٤، "معالم التنزيل" ٤/ ٢٦٤، "زاد المسير" ٥/ ٢٧١.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي