ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون ( ٣٤ ) كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ( ٣٥ ) وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمان هم كافرون [ الأنبياء : ٣٤- ٣٦ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه الأدلة على وجود الخالق الواحد القادر، بما يرون من الآيات الكونية، أردف ذلك ببيان أن هذه الدنيا ما خلقت للخلود والدوام، ولا خلق من فيها للبقاء، بل خلقت للابتلاء والامتحان، ولتكون وسيلة إلى الآخرة التي هي دار الخلود، فلا تشمتوا إذا مات محمد ( ص ) فما هذا بسبيله وحده، بل هذا سنة الله في الخلق أجمعين.
تمنى رجال أن أموت، وإن أمـت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تزود لأخرى مثلها فكأن قد
ثم ذكر أنهم نعوا على نبيه ( ص ) ذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء، ورد عليهم بأنهم قد كفروا بالرحمن المنعم على عباده، الخالق لهم، المحيي المميت، ولا شيء أقبح من هذا وأخلق بالذم منه.
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه ( ص ) مر على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان، فلما رآه أب جهل ضحك وقال : هذا نبي بني عبد مناف، فغضب أبو سفيان وقال : أتنكر أن يكون لعبد مناف نبي ؟ فسمعهما النبي ( ص ) فرجع إلى أبي جهل فوقع به وخوفه وقال :" ما أراك منتهيا حتى يصيبك ما أصاب عمك الوليد بن المغيرة "، وقال لأبي سفيان :" أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية " فنزلت الآية.
تفسير المفردات :
الذوق : هنا الإدراك ؛ والمراد من الموت مقدماته من الآلام العظمية، والمدرك لذلك هي النفس المفارقة التي تدرك مفارقتها للبدن. ونبلوكم : أي نختبركم ؛ والمراد نعاملكم معاملة من يختبركم. بالخير والشر : أي المحبوب والمكروه. فتنة : أي ابتلاء.
الإيضاح :
ثم أكد ما سلف وبين أن أحدا لا يبقى في هذه الدنيا فقال :
كل نفس ذائقة الموت أي كل نفس منفوسة من خلقه ذائقة مرارة الموت، ومتجرعة كأسه، وشدة مفارقة الروح للبدن وقد جاء في الحديث :" إن للموت لسكرات " فلا يفرحن أحد لموت أحد ولا يظهرن التشفي منه، كما لا ينبغي أن تبدوا عليه علامات الجزع والحسرة لموت أحد.
ونبلوكم بالشر والخير فتنة أي ونختبركم أيها الناس بالمضار الدنيوية من الفقر والآلام وسائر الشدائد، وبنعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور والتمكين من حصول ما تريدون، لنرى أتصبرون في المحن، وتشكرون في المنح ؟ فيزداد ثوابكم عند ربكم إذا قمتم بأداء ذلك، و القيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فالمنحة أعظم البلاءين ؛ و من ثم قال عمر رضي الله عنه : بلينا بالضراء فصبرنا، و بلينا بالسراء فلم نصبر، و قال علي كرم الله وجهه : من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله.
و خلاصة ذلك : إنا نعاملكم معاملة من يختبركم و نفتنكم كما يفتن الذهب إذا أريد تصفيته بالنار عما يخالطه من الغش، لنرى أتصبرون في الشدائد وتشكرون حين الرخاء ؟
وإلينا ترجعون فنجازيكم وفق ما يظهر من أعمالكم.
ولا يخفى ما في هذا من الوعد والوعيد بالثواب والعقاب.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير