ومن جملة الشر الذي ابتلى الله به عباده : إذاية الخلق، كما قال لنبيه –عليه الصلاة والسلام- :
وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَانِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
قلت : أهذا الذي : مقول لحال محذوفة، أي : قائلين : أهذا الذي، وحذف الحال، إذا كان قولاً، مطردٌ. وهم بذكر الرحمن : حال.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وإِذا رآك الذين كفروا أي : المشركون إِن يتخذونك ؛ ما يتخذونك إِلا هُزُوًا ؛ مهزوءًا بك ؛ على معنى قصر معاملتهم معه -عليه الصلاة والسلام- على اتخاذهم إياه هزوًا، كأنه قيل : ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوًا. نزلت في أبي جهل -لعنه الله-، مرّ به النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك وقال : هذا نبيُّ بني عبد مناف١. قال القشيري :( لو شاهدوه على ما هو عليه من أوصاف التخصيص، وما رقَّاه الله من المنزلة، لظلوا له خاضعين، ولكنهم حُجِبُوا عن معانيه وسريرته، وعاينوا فيه جسمه وصورته ). فاستهزؤوا بما لم يُحيطوا بعلمه، حَال كونهم يقولون : أهذا الذي يَذْكُرُ أي : يعيب آلهتكم ، فالذكر يكون بخير وبضده، فإنْ كان الذاكر صديقًا للمذكور فهو ثناء. وإن كان عدوًا فهو ذم. وهم بذكر الرحمان أي : بذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، هم كافرون ؛ لا يصدقون به أصلاً، فهم أحق بالهزء والسخرية منك ؛ لأنك مُحق وهم مُبطلون. والمعنى أنهم يعيبون -عليه الصلاة والسلام- أن يذكر آلهتهم، التي لا تضر ولا تنفع، بالسوء، والحال : أنهم بذكر الرحمان، المنعم عليهم بأنواع النعم، التي هي من مقتضيات رحمانيته، كافرون، لا يذكرونه بما يليق به من التوحيد وأوصاف الكمال، أو : بما أنزل من القرآن ؛ لأنه ذكر الرحمان، هم كافرون ؛ جاحدون، فهم أحقاء بالعيب والإنكار. وكرر لفظ " هُم " للتأكيد، أو لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر، فأعيد المبتدأ.
ويقال لمن أنكر عليه أهلُ زمانه طريقَ التجريد وخرقَ العوائد : ولقد استُهزئ بمن كان قبلك ممن سلك هذه الطريق، فأُوذوا، وضُربوا، وأُخرجوا من بلادهم، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون، إما في الدنيا أو في الآخرة.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي