ثم يقول الحق سبحانه : وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ١الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ٢ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ ( ٧٤ ) .
ولوطا.. ( ٧٤ ) ( الأنبياء ) : جاءت منصوبة ؛ لأنها معطوفة على قوله تعالى : ولقد آتينا إبراهيم رشده.. ( ٥١ ) ( الأنبياء ) : وأيضا : آتينا لوطا رشده. والحكم يعني : الحكمة، وأصله من الحكمة٣التي توضع في حنك الفرس ؛ لأن الفرس قد يشرد بصاحبه أو يتجه إلى جهة غير مرادة لراكبه ؛ لذلك يوضع في حنكه اللجام أو الحكمة، وهي قطعة من الحديد لها طرفان، يتم توجيه الفرس منهما يمينا أو شمالا.
ومن ذلك الحكمة، وهي وضع الشيء في موضعه، ومنه الحكم، وهو : وضع الحق في موضعه من الشاكي أو المشكو أي : الخصمين.
وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا.. ( ٧٤ ) ( الأنبياء ) : وفرق بين العلم والحكم : العلم أن تحقق وتعرف، أما الحكم فسلوك وتطبيق لما تعلم، فالعلم تحقيق والحكم تطبيق.
ثم يقول تعالى : وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ.. ( ٧٤ ) ( الأنبياء ) : فقد نجى الله إبراهيم عليه السلام من النار، وكذلك نجى لوطا من أهل القرية التي كانت تعمل الخبائث، والخبائث في قوم لوط معروفة٤، لذلك يقول بعدها : إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ ( ٧٤ ) ( الأنبياء ) : ورجل السوء هو الذي يسوء كل من يخالطه، لا يسوء البعض دون البعض، فكل من يخالطه أو يحتك به يسوؤه.
والفسق : الخروج عن أوامر التكليف، وهذا التعبير ككل التعابير القرآنية مأخوذ من واقعيات الحياة عند العرب، فأصل الفسق من فسقت الرطبة عن قشرتها حين تستوي البلحة فتنفصل عنها القشرة حتى تظهر منها الرطبة، وهذه القشرة جعلت لتؤدي مهمة، وهي حفظ الثمرة، كذلك نقول في الفسق عن المنهج الديني الذي جاء ليؤدي مهمة في حياتنا، فمن خرج عنه فهو فاسق.
٢ قال القرطبي في تفسيره (٦ / ٤٤٨٥): (في الخبائث التي كانوا يعملونها قولان: أحدهما: اللواط. والثاني: الضراط، أي: كانوا يتضارطون في ناديهم ومجالسهم)..
٣ الحكمة: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه تمنعه عن مخالفة راكبه. (لسان العرب – مادة: حكم)..
٤ أخرج ابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي قال: كان في قوم لوط عشر خصال يعرفون بها: لعب الحمام، ورمي البندق، والمكاء (الصفير بالفم). والخذف في الأنداء (رمي الحصى أو النوى)، وتسبيط الشعر، وفرقعة العلك (اللبان)، وإسبال الإزار (إطالته حتى يجاوز الكعبين)، وحبس الأقبية، وإتيان الرجل، والمنادمة على الشراب، وستزيد هذا الأمة عليه. (أورده السيوطي في الدر المنثور ٥ / ٦٤٤)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي