مقامع مطارق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:يذاب بالحميم أجوافهم، وتشوى جلودهم ؛ ولهم مقامع من حديد مطارق يضربون بها ويدفعون ؛ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ؛ نقل عن الفضيل بن عياض : والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة وإن الأيدي لموثقة، ولكن يدفعهم لهبها وتردهم مقامعها ؛ فمن خلص منهم إلى شفيرها أعادتهم الملائكة فيها بالمقامع، وذوقوا عذاب الحريق ويقولون لهم : ذوقوا العذاب المحرق، أي : أدركوه والزموه ؛ وفي ذلك من التحسير ما فيه ؛ نسأل الله الوقاية من سخطه وعذابه ؛ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار لما ذكر مصير أحد الخصمين وهو الجاحد المارد الكافر، ذكر حال الخصم الثاني وهو المؤمن الصالح الشاكر ؛ يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا وحلية المؤمنين في الجنة تكون من أساور والأساور جمع أسورة، وأسورة واحدة سوار ؛ قال المفسرون : لما كانت تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة ؛ ويحلون لؤلؤا ؛ ولباسهم فيها حرير ثياب السعداء المؤمنين في الجنة حرير ؛ مما نقل الألوسي : لم يقل ويلبسون فيها حريرا للإيذان بأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنما المحتاج إلى البيان أن لباسهم ماذا ؟ بخلاف التحلية فإنها ليست من لوازمهم الضرورية، فلذا جعل بيانها مقصودا بالذات، ولعل هذا هو السر في تقديم بيان التحلية على بيان حال اللباس اهـ ؛ وهدوا إلى الطيب من القول والفائزون المنعمون هداهم ربهم إلى الكلم الطيب، والقول الكريم النافع، ففي الدنيا يتلون كتاب الله تعالى، ويذكرون ربهم ويهللون ويسبحون، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الرشد ؛ وفي الآخرة يثنون على البر الرحيم سبحانه، ويقولون الحمد لله الذي صدقنا وعده.. ) {.. الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن.. ) ؛ { وهدوا إلى صراط الحميد وهدوا في أولاهم إلى طريق الله المستقيم، ودينه المرتضى ؛ وفي الآخرة هدوا إلى الطريق المحمودة الموصلة إلى الجنة، وهدوا إلى ما يحب الله تعالى من أخوة في الجنة [ ولا يبعد أن يقال : إن الهداية في الجملتين في الآخرة بعد دخول الجنة وإن الإضافة هنا بيانية وإن المراد بالقول الطيب : القول الذي تستلذه النفوس الواقع في محاورة أهل الجنة بعضهم لبعض ؛ والصراط الحميد : ما يسلكه أهل الجنة في معاملة بعضهم بعضا من الأفعال، التي يحمدون عليها، أو بما هو أعم من ذلك، فحاصل الجملة الأولى وصف أهل الجنة بحسن الأقوال، وحاصل الثانية وصفهم بحسن الأفعال، أو بما هو أعم منها ومن الأقوال ؛ وكأنه تعالى بعد أن ذكر حسن مسكنهم وحليهم ولباسهم ذيل ذلك بحسن معاملة بعضهم بعضا في الأقوال والأفعال إيماء إلى أن ما هم فيه لا يخرجهم إلى خشونة المقال ورداءة الأفعال المشينتين لحسن ما هم فيه والمنغصتين للذة الاجتماع ؛ ووجه التقديم والتأخير على هذا غير خفي على الفطن ؛ والذي أختاره أن القول الطيب قولهم بعد دخول الجنة :{.. الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور. الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ) لقوله تعالى في سورة فاطر بعد قوله سبحانه :{.. يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير. وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن.. ) ؛.. والقرآن يفسر بعضه بعضا ؛ وأن المراد بالصراط الحميد ما يعم الأقوال والأفعال الجارية بين أهل الجنة مما يحمد سلوكه في المعاشرة والاجتماع في هاتيك البقاع.. ]