( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله( أي يمنعون الناس من أن يدخلوا في دين الإسلام لا يريد بالمضارع حالا ولا استقبالا وإنما يريد استمرارا لصد قولهم فلان يعطي ويمنع ولذلك حسن عطف على الماضي وقيل : هو حال من فاعل كفروا وخبر إن محذوف دل على آخر الآية إن نذقه من عذاب أليم ( والمسجد الحرام( عطف على سبيل الله أو على اسم الله والمراد بالمسجد الحرام خاصة عند الشافعي وعند أبي حنيفة رحمه الله الحرم كله في قوله تعالى :( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام( (١) على ما قيل أن الإسراء من بيت أم هانىء أطلق المسجد على الحرم كله لأن الغرض الأصلي من عمران مكة إيقام الصلاة قال الله تعالى حكاية لقول إبراهيم عليه السلام :( ربنا أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة( (٢) وقد فسر الشافعي رحمه الله المسجد الحرام في قوله تعالى :( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا( (٣) بالحرم حيث قال : يمنع الكفار مطلقا عن دخول الحرم بهذه الآية قد وذكرنا الكلام عليه في سورة التوبة ويؤيد إرادة الحرم قوله تعالى :( الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبارد( قرأ ابن كثير بإثبات الياء في الحالين وورش وأبو بكر في الوصل فقط، وقرأ حفص سواء بالنصب على أنه مفعول ثان لجعلنا وللناس ظرف لغو أو حال من الضمير المستكن في للناس وللناس مفعول ثاني والعاكف مرفوع به وقرأ الباقون سواء بالرفع على أن العاكف مبتدأ وسواء خبره مقدم عليه أو سواء مبتدأ من قبيل الصفة والعاكف فاعله والجملة مفعول ثان لجعلناه وللناس حال من الهاء أو ظرف لغو، وجاز أن يكون للناس مفعولا ثانيا والجملة بيان لما سبق يعني جعلناه للناس بحيث مستو فيه المقيم والبادي أي المسافر المنسوب إلى البدون وقال في القاموس البدو والبادية والبداوة، والبداة خلاف الحضر يعني ليس أحد أحق بالمنزل فيه من غيره فمن سبق إلى مكان منه لا يجوز لغيره ؟أن يزعجه، كذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد قالوا : هما سواء في البيوت والمنازل، وقال عبد الرحمن بن سابط كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنزله منهم وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في الموسم، كذا قال البغوي قلت : روي أثر عمر عبد الرحمن بن عبد بن حميد بن نافع عن ابن عمر عنه وعن عمر بن الخطاب أن رجلا قال له عند المروة يا أمير المؤمنين اقطع مكانا لي فاعقب وأعرض عنه قال : هو حرم الله سواء العاكف فيه والباد إزالة الخفاء، وقال عد الرزاق عن معمر عن منصور عن مجاهد أن عمر قال : يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء، وقال عبد الرزاق عن ابن جريح كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم واخبرني أن عمر نهى أن يبوب دور مكة لأن الحاج في عرضاتها فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو واعتذر لذلك لعمر فإن صح عن عمر انه اشترى دارا بمكة للسجن بأربعة آلاف درهم رواه البيهقي وكذا روى البيهقي عن ابن الزبير أنه اشترى حجرة سودة، وعن حكيم بن حزام أنه باع دار الندوة، وعن عمر أنه اشترى الدور من أهلها حتى وسع المسجد وكذل عن عثمان قال وكان الصحابة في رباط متوافرين ولم ينقل إنكار ذلك ؟ قلت : يحمل تلك الآثار على بيع بنائها فإن البناء ملك المباني لا محالة وإنما المنهي بيع الأرض ومن ها هنا قال أبو جنيفة وأحمد في أصح الروايتين عنه لا يجوز بيع رباع مكة ولا إجارة دورها فإن ارض الحرم عتيق غير مملوك لأحد قال الله تعالى :( ثم محلها إلى البيت العتيق( (٤) ولا شك أن المراد بالبيت العتيق أرض الحرم كله لاختصاص ارض الحرم بذبح الهدايا والقول بأن المعنى ثم محلها إلى مكان يقرب منه البيت العتيق تكلف وتقديره بلا ضرورة وكذا قال مالك لكن مبنى قوله أن مكة فتحت عنوة وكل بلدة فتحت عنوة فهي وقف لا يجوز بيع أرضها وقال الشافعي بيع دور مكة وإجارتها جائزة وهي مملوكة لأهلها وبه قال الحسن وطاووس وعمر وبن دينار وجماعة والمراد بالمسجد الحرام في الآية نفسه ومعنى الآية جعلناه للناس قبلة لصلاتهم ومنسكا متعبدا بحيث مستوفيه العاكف والبادي في تعظيم الكعبة، وفضل الصلاة في المسجد الحرام والطواف بالبيت قلنا : سياق الآية يقتضي اختصاص تسويته العاكف والبادي بالمسجد الحرام مع أن المساجد الحرام مع أن المساجد كلها هذه المثابة العاكف والبادي في جميع المساجد سواء يجب على كل أحد تعظيم كل مسجد وكل مسجد يستوي فيه ثواب الصلاة والطاعة لجميع الناس لا يختلف باختلاف الحضر والسفر، قال البغوي قال مجاهد وجماعة مثل ما قال الشافعي قلت : بل المروي عن مجاهد من قول أبي حنيفة رحمه الله روى الطحاوي من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد أنه قال مكة مباح لا يحل بيع رباعها ولا أجارة بيوتها وروى عبد الرزاق من طريق إبراهيم بن مذهاجر عن مجاهد عن ابن عمر لا يحل بيع بيوت مكة ولا أجارتها ومن الحجة لقولنا هذا ما رواه محمد في كتاب الآثار أخبرنا أبو جنيفة عن عبد الله بن أبي زياد عن أبي نجيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله حرمن مكة فحرام بيع رياعها وأكل ثمنها " ولذا روى ابن الجوزي في التحقيق بسنده عن أبي حنيفة لذلك السند مرفوعا بلفظ " مكة حرام وحرام رياعها حرام أجر بيوتها " قال الدارقطني وهم فيه أبو حنيفة رحمه الله والصحيح أنه موقوف دعوى الوهم على أبي حنيفة شهادة على النفي فلا يقبل وهو ثقة والرفع من الثقة مقبولة وروى محمد بذلك السند مرفوعا " من أكل من أجود بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارا " ورواه الدارقطني بسنده عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه عن عبد الله بنم باباه عن عبد بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مكة مباح لا يباع رياعها ولا يؤجر بيوتها " قلت إسماعيل بن إبراهيم ضعفه يحيى والنسائي وأبوه إبراهيم بن مهاجر بن جابر النحلي ضعفه البخري وقال أبو حاتم منكر الحديث قال ابن المنذر والنسائي ليس بالقوى، لكن قال سفيان وأحمد ويحيى بن معين وابن مهدي لا بأس به، وقال أبو بكر البيهقي الصحيح أنت هذا الحديث موقوف وروى ابن الجوزي بسنده عن سعيد بن منصور قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن مكة حرام حرمها الله عز وجل لا يحل بيع رياعها ولا أجر بيوتها " وهذا مرسل والمرسل عندنا حجة، احتج الخصم بقوله تعالى :( الذين أخرجوا من ديارهم( (٥) وقوله صلى الله عليه وسلم :" من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " (٦) قاله يوم فتح مكة وجه الاحتجاج أن الإضافة تدل على الملك قالوا ولو كانت الدور غير مملوكة لهم لما كانوا مظلومين في الإخراج عنها، والجواب أن الإضافة للسكنى أو للبناء يقال مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد بني فلان وكون الإخراج ظلما لا يدل على أنهم أخرجوا عن ديار مملوكة لهم لتحقق الظلم بإخراجهم عن المسجد الحرام الذي جعل الله للناس كلهم فيه سواء ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها( (٧) وأقوى حججهم في الباب حديث أسامة بن زيد قال : قلت : يا رسول الله أين تنزل غدا في حجته ؟ فقال ك هل ترك عقيل منزلا ؟ قال : نحن نازلون غدا إن شاء الله بحنيف بني كنانة، ثم قال ك لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر " (٨) متفق عليه، وروى ابن الجوزي هذا الحديث، قال أسامة : يا رسول الله أتنزل دارك بمكة، قال :" وهل ترك عقيل من رياع أو دور ؟ قال الزهري وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ولم يرثه جعفر ولا على شيئا كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين يعني حتى مات أبو طالب، قال الجاحظ وفي رواية محمد بن أبى حفصة قال في آخره ويقال إن الدار التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم كانت دار هاشم بن عبد مناف ثم صارت لعبد المطلب ابنه فقسمها بين ولده حين عمر ثم صار للنبي صلى الله عليه وسلام حق أبيه عبد الله وفيها ولد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لم يسلما وباعتبار ترك النبي صلى الله عليه وسلم حقه منها بالهجرة وقتل طالب ببدر فباع عقيل الدار كلها، وروى الفاكهاني أن عقيل لم يبع الدار وقال : إن الدار لم يزل بيد أولاد عقيل الدار باعوا لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار والجواب أن بيع عقيل الدار كافرا لا يكون حجة على جواز البيع وتأويل الحديث عندي أن الدار لعلها كانت مشغولة بحوائج عقيل إن لم يبع وبحوائج المشتري إن باع فالنبي صلى الله عليه وسلم يجدها خالية يسكن فيها ولدا، قال : وهل ترك لنا عقيل منزلا أي منزلا خاليا فحينئذ قول الراوي كان عقيل ورث أبا طالب وشبهه مبني على زعمه وقوله صلى الله عليه وسلم : لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر لعله واقعة حال آخر فضم الراوي الحديثين زعما منه أن قوله صلى الله عليه وسلم :" لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر " هو الباعث على قوله صلى الله عليه وسلم " وهل ترك لنا عقيل منزلا ؟ " فحينئذ قوله صلى الله عليه وسلم " لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر " كلام مستأنف فلا حجة في الحديث على كون رياع مكة مملوكة، ولو سلمنا أن الحديث تدل على كون رياع مكة جائز البيع فتقول أن ما ذكرنا من الأحاديث التي تدل على حرمة بيعها نص في الحرمة يدل بالعبارة وهذا الحديث يدل على إباحة البيع بالإشارة فدلالة ما روينا أقوى، ثم لو سلمنا التعارض فعند التعارض يجب تقديم المحرم على المبيح ولذلك قال أبو حنيفة بالكراهة تحريما على أصله ولو كان حصة عبد الله للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يتصور أن يصل تلك الحصة إلى عقيل إلا بالاستيلاء كما هو مذهب أبي حنيفة أن الكافر يملك مال المسلم بالاستيلاء ولم يقل به الشافعي ولو ملك بالاستيلاء فلا معنى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث " لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر " ولو كانت كلها لأبي طالب فلا يتصور كونها للنبي صلى الله عليه وسلم ولو فرضنا كون أبي طالب مسلما لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن من ورثة أبي طالب فعلى كل من التقادير يجب صرف قوله صلى الله عليه وسلم " هل ترك لنا عقيل منزلا ؟ " عن ظاهره فما ذكرت من التأويل أولى وكيف لا يكون التأويل ما ذكرت فإنا لو سلمنا أن عليا وجعفرا لم يرثا أبا طالب وإنما ورثه عقيل فالنبي صلى الله عليه وسلم كان له أن ينزل في علي وجعفر عارية كما كان له أن ينزل في ملك عقيل عارية ( ومن يرد فيه( أي في المسجد الحرام سواء كان المراد منه المسجد أو الحرم كله على القولين ( بإلحاد بظلم( وقيل : إلحاد في محل النصب على المفعولية والباء زائدة كما قوله تعالى :
( تنبت بالدهن( (٩) وقول الأعمش ضمنت برزق عيالنا أرماحنا وبظلم ظرف لغو متعلق ببرد أو ظرف مستقر صفة لإلحاد أو حال من فاعل يرد، وقيل مفعول يرد محذوف يتناول كل متناول تقديره من يرد قولا أو فعلا، فعلى هذا قوله :( بإلحاد بظلم( حالان مترادفان أو الثاني بدل من الأول بإعادة الجار أو صلة له أي يلحد بسبب الظلم أي بأن ارتكب منبها ولو شتم الخادم ( نذقه من عذاب أليم( جواب لمن روى البخاري في الصحيح عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى ا
٢ سورة إبراهيم الآية: ٣٧..
٣ سورة التوبة الآية: ٢٨..
٤ سورة الحج الآية: ٣٣..
٥ سورة الحج الآية: ٤..
٦ اخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة (١٧٨٠)..
٧ سورة البقرة الآية: ١١٤..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: توريث دور مكة وبيعها وشرائها وأن الناس في المسجد الحرام سواء خاصة (١٥٨٨)، وأخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: النزول بمكة للحاج وتوريث دورها (١٣٥١)..
٩ سورة المؤمنون الآية: ٢٠..
التفسير المظهري
المظهري