وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن صورة مثيرة من صور الصراع القائم بين الحق والباطل، والكفر والإيمان، فقد كان الشرك بمكة في فترة من الدهر عاتيا طاغيا، فاستولى على مهد التوحيد وقاعدته الأولى في الحرم الشريف، واستبد بهما، حتى حرم من الكعبة ومقام إبراهيم وارث إبراهيم خاتم الأنبياء والمرسلين، وصده ومن معه من المؤمنين، عن الوصول إلى بيت الله الحرام وأداء مناسكهم فيه، وكان ذلك عام الحديبية، وزعم مشركو قريش أنهم أولياء البيت وأصحابه وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون [ الأنفال : ٣٤ ]، فتصدى كتاب الله لإبطال مزاعمهم، إذ قال تعالى : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ، وبذلك أكد كتاب الله ان بيت الله الحرام ليس ملكا لفريق دون آخر، وأن المقيمين بمكة، وهم " العاكفون " والوافدون عليها، وهم " البادون " سواسية فيما لهم في بيت الله من حقوق، بصفته منسكا وقبلة ومتعبدا. وأعلن كتاب الله أن صد الناس عن المسجد الحرام بأية وسيلة من الوسائل، وبأي عذر ينتحل من الأعذار، يعتبر إلحادا وظلما، إذ هو تحويل لصبغة المسجد الحرام، وخروج به عن أصله بالمرة، وتوعد كتاب الله كل من صد عن سبيله بالعذاب الأليم.
وحمل بعض المفسرين لفظ ( الإلحاد ) في قوله تعالى هنا : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم على معناه العام، فأدرج فيه كل ما يعد ميلا وانحرافا عن الإسلام، اعتقادا كان أو عملا، من الصغائر أو من الكبائر، كما حمل بعض المفسرين جملة " ومن يرد " على معنى العمل والنية معا، حتى أن من نوى سيئة من السيئات بمكة حوسب عليها ولو لم يعملها، لعظم حرمة المكان، أما إذا عملها فإنه يرتكب معصيتين : إحداهما بنفس المخالفة، والثانية بانتهاك حرمة البلد الحرام، وقد روي هذا التفسير عن ابن مسعود وابن عمر، وذهب إليه الضحاك وابن زيد.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري