ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم ( ٥١ ) :
السعي : عمل يذهب إلى غاية، فإن كان قطع مسافة نقول : سرنا من كذا إلى كذا، وإن كان في قضية علمية فكرية، فيعني : أن الحدث يعمل من شيء بداية إلى شيء غاية.
والسعي لا يحمد على إطلاقه، ولا يذم على إطلاقه، فإن كان في خير فهو محمود ممدوح، كالسعي الذي قال الله فيه : أولئك كان سعيهم مشكورا ( ١٩ ) [ الإسراء ]، وإن كان في شر فهو قبيح مذموم، كالسعي الذي قال الله تعالى فيه : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ( ٢٠٣ ) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ( ٢٠٥ ) [ البقرة ].
أما السعاية فعادة تأخذ جانب الشر. وتعني : الوشاية والسعي بين الناس بالنميمة، تقول : فلان سعاء بين الخلق يعني : بالشر ينقله بين الناس بقصد الأذى، وهؤلاء إن علموا الخير أخفوه، وإن علموا الشر أذاعوه، وإن لم يعلموا كذبوا.
لذلك، نقول عما ينتج من هذه السعاية من الشر بين الناس : هذا آفة الآخذ، يعني : الذي سمع الشر ونقله وسعى به، وكان عليه أن يحبسه ويخفيه، حتى لا تنتشر هذه الرذيلة بين الخلق.
وقد وشى واش بهمام بن عبد الله السلولي إلى زياد بن أبيه، وكان زياد جبارا فقال للواشي : أأجمع بينك وبينه ؟ فلم يجد الواشي بدا من أن يقول : نعم، فكيف ينكر ما قال ؟ ولعله قال في نفسه : لعل الله يقضي أمرا يخرجني من هذه ( الورطة ) قبل هذه المواجهة ؟ ثم أرسل زياد إلى ابن همام فأتي به، وقد جعل زياد الواشي في مجلسه خلف ستار، وأدخل همام، فقال له : يا همام بلغني أنك هجوتني، فقال : كلا، أصلحك الله ما فعلت، ولا أنت لذلك بأهل، فكشف زياد الستار وقال : هذا الرجل أخبرني أنك هجوتني، فنظر ابن همام، فإذا هو صديق له يجالسه، فقال له :
أنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا**** فخنت وإما قلت قولا بلا علم
فأبت من الأمر الذي كان بيننا**** بمنزلة بين الخيانة والإثم١
يعني : أنت مذموم في كل الأحوال، لأنك إما خنت أمانة المجلس والحديث ولم تحفظ سرا فضفضت لك به، وإما اختلقت هذا القول كذبا وبلا علم.
وعندما خلع زياد على همام الخلع٢، لكنه لم يعاقب الواشي، وفي هذا إشارة إلى ارتياحهم لمن ينقل إليهم، وأن آذانهم قد أخذت على ذلك وتعودت عليه.
ومعنى في آياتنا ( ٥١ ) [ الحج ] : والآيات إما كونية، كالشمس والقمر، وإما معجزات، وإما آيات الأحكام، وسعوا فيها يعني : قالوا فيها قولا باطلا غير الحق، كما يسعى الواشي بالباطل بين الناس، فهؤلاء إن نظروا في آيات الكون قالوا : من صنع الطبيعة. وإن شاهدوا معجزة على يد نبي قالوا : سحر وأساطيل الأولين، وإن سمعوا آيات الأحكام تتلى قالوا : شعر. وهم بذلك كله يريدون أن يفسدوا على أهل الإيمان إيمانهم، ويصدوا عن سبيل الله.
ومعنى معاجزين ( ٥١ ) [ الحج ] : جمع لاسم الفاعل معاجز مثل : مقاتل، وهي من عاجز غير عجز عن كذا يعني : لم يقدر عليه، عاجز فلان فلانا يعني باراه أيهما يعجز قبل الآخر، فعاجزه مثل باراه ليثبت أنه الأفضل، ومثل : سابقه ونافسه.
إذن : فالمعاجزة مفاعلة ومشاركة، وكلمة نافسه الأصل فيها من النفس الذي نأخذه في الشهيق، ونخرجه في الزفير، والذي به يتأكسد الدم، وتستمر حركة الإنسان، فإن امتنع التنفس يموت، لأن الإنسان يصبر على الطعام ويصبر على الماء، لكنه لا يصبر على الهواء ولو لنفس واحد.
وقد حدثت هذه المعاجزة أو المنافسة بين سيدنا عمر وسيدنا العباس رضي الله عنهما : قال عمر للعباس : أتنافسني في الماء، يعني : نغطس تحت الماء وننظر أيهما يعجز الآخر، ويتحمل عملية توقف النفس، ومثل هذه المنافسة قد يحتال عليها الإنسان إن كتم نفسه وهو في جو الهواء، أما إن نزل تحت الماء حيث ينعدم الهواء، فكيف سيحتال على هذه المسألة ؟ وتحت الماء لا يكون إلا الهواء الذاتي الذي اختزنه كل منهما في رئته، ومثل هذه المنافسة توضح أيهما أفسح صدرا من الآخر، وأيهما أكثر تحملا تحت الماء. هذه هي المعاجزة.
فمعنى سعوا في آياتنا معاجزين.. ( ٥١ ) [ الحج ] : أي : يظنون أنهم قادرون أن يعجزونا، فحين نأتي إليهم بكلام بليغ معجز يختلقون كلاما فارغا ليعجزونا به، فأنى يكون لهم ذلك ؟ وأنى لهم أن يطعنوا بكلامهم على كلام الله ؟.
ثم يبين جزاء هذا الفعل وهذه المكابرة : أولئك أصحاب الجحيم ( ٥١ ) [ الحج ] : فهذا حكم الله فيهم قضية واضحة من أقصر الطرق، فمن ذا الذي يعجز الله ؟

١ - أورد الغزالي هذه الأبيات في "إحياء علوم الدين" (٣/١٥٧)، ولكنه ذكر قصة غير هذه في مناسبتها، قال: "سعى رجل بزياد الأعجم إلى سليمان بن عبد الملك فجمع بينهما للموافقة فأقبل زياد على الرجل وقال.." وذكر الأبيات..
٢ - الخلعة من الثياب: ما خلعته فطرحته على آخر أو لم تطرحه. كل ثوب تخلعه عنك خلعة. [لسان العرب- مادة: خلع]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير