٦- لو عرف الناس حال عذاب الآخرة، وأن يوم العذاب فيه لشدته كألف سنة من سني الدنيا، لما استعجلوه، فإن الله لا يخلف وعده في إنزال العذاب، قال الزجاج: استعجلوا العذاب فأعلمهم الله أنه لا يفوته شيء، وقد نزل بهم في الدنيا يوم بدر.
وقال عكرمة: أعلمهم الله إذا استعجلوا بالعذاب في أيام قصيرة، أنه يأتيهم به في أيام طويلة.
وقال الفرّاء: هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة.
والخلاصة: أن الآية ردّ على المشركين الذين استعجلوا العذاب تكذيبا واستهزاء، لعدم إيمانهم بيوم القيامة، وإعلام قاطع بوقوع العذاب.
٧- كثير من أهل القرى أمهلهم الله تعالى مع عتوهم، ثم أخذهم بالعذاب، وإلى الله المصير، أي إليه المرجع والمآب في الحكم والقضاء.
تحديد مهمة النبي صلّى الله عليه وسلم
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٩ الى ٥١]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)
البلاغة:
يوجد مقابلة بين فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ... وبين وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ....
المفردات اللغوية:
يا أَيُّهَا النَّاسُ أهل مكة وغيرهم. نَذِيرٌ مُبِينٌ بيّن الإنذار: وهو التخويف، وأنا
أيضا بشير المؤمنين، واقتصر على الإنذار مع عموم الخطاب بقوله: لَكُمْ ومع ذكر الفريقين:
المؤمنين والكافرين لأن صدر الكلام ومساقه للمشركين. وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظ أعدائهم المشركين.
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لما بدر منهم من الذنوب. وَرِزْقٌ كَرِيمٌ هو الجنة، والكريم من كل نوع: ما يجمع فضائله. وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا القرآن بالرد والإبطال والطعن بأنها سحر وشعر وأساطير. مُعاجِزِينَ أي مسابقين مغالبين لنا أي يظنون أن يفوتونا بإنكار البعث والعقاب، وقرئ معجزين أي مثبطين غيرهم عن الإيمان. الْجَحِيمِ النار الموقدة.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى استعجال المشركين العذاب تكذيبا له واستهزاء به لأنهم لا يؤمنون بيوم القيامة، أردف ذلك بإيضاح وظيفة الرسول صلّى الله عليه وسلم وهي الإنذار والتخويف، وأنه بعث للإنذار، فاستهزاؤهم بذلك لا يمنعه منه.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلم بأن يقول للكفار حين طلبوا منه وقوع العذاب واستعجلوه به: يا أيها المشركون المستعجلون مجيء العذاب إنما أرسلني الله إليكم نذيرا لكم بين يدي عذاب شديد، وليس إلي من حسابكم شيء، بل أمركم إلى الله: إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار، كما قال: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ [الرعد ١٣/ ٤١].
ومهمتي كما تشمل الإنذار تتضمن التبشير، وهذا مضمون الأمرين:
١- فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي فالذين آمنت قلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم لهم مغفرة لما سلف من سيئاتهم، وثواب حسن ولو على القليل من حسناتهم، وجنة عرضها السموات والأرض، فالرزق الكريم هو الجنة التي وصفها الله سبحانه بقوله: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ
الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ
[الزخرف ٤٣/ ٧١]
ووصفها الرسول صلّى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
٢- وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي والذين جهدوا في إبطال آياتنا، وردّ دعوة الدين، والتكذيب بها، وثبطوا الناس عن متابعة النبي صلّى الله عليه وسلم، ظنا منهم أنهم يعجزوننا ويتفلتون من أمرنا وبعثنا لهم وأننا لا نقدر عليهم، فهم أهل النار الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها، المقيمون فيها على الدوام، كما قال تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ، بِما كانُوا يُفْسِدُونَ [النحل ١٦/ ٨٨]. وقد شبههم بالصاحب من حيث الدوام.
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من الآيات ما يأتي:
١- إن وظيفة الرسول صلّى الله عليه وسلم هي الإنذار والتبشير، إنذار من عصاه بالنار وتبشير من أطاعه بالجنة.
٢- للمؤمنين الذين يعملون الصالحات أي الطاعات والقربات الجنة والمغفرة للذنوب والرضوان.
٣- للكافرين المعاندين الظانين ألا بعث وأن الله لا يقدر عليهم النار المستعرة التي يخلدون فيها على الدوام.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي