تمهيد :
تأتي هذه الآيات مواساة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من ضلال قومه، وبعدهم عن الحق، واتباعهم للشيطان، وخلاصة معناها ما يأتي :
لا تحزن أيها النبي من محاولات هؤلاء الكفار، فقد جرت الحوادث من قبلك مع كل رسول من رسلنا، ونبي من أنبيائنا، أنه كلما قرأ عليهم شيئا يدعوهم به إلى الحق، تصدى له شياطين الإنس المتمردون، لإبطال دعوته، وتشكيك الناس فيما يتلوه عليهم، لكي يحولوا بين النبي وبين أمنيته في إجابة دعوته، فيزيل الله ما يدبرون، ثم تكون الغلبة في النهاية للحق، حيث يثبت الله شريعته، وينصر رسوله، وهو عليم بأحوال الناس ومكائدهم، حكيم في أفعاله، وإنما مكن الله المتمردين على الحق من إلقاء الشبه والعراقيل، في سبيل الدعوة، ليكون في ذلك امتحان واختبار للناس، فالكفار الذين تحجرت قلوبهم، والمنافقون ومرضى القلوب، يزدادون ضلالا، بترويج هذه الشبه ومناصرتها، وليزداد الذين أوتوا علم الشرع والإيمان به، إيمانا وعلما بأن ما يقوله الرسل والأنبياء إنما هو الحق المنزل عند الله تعالى.
٥٥ - وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ.
مرية : شك.
بغتة : فجأة.
الساعة : الموت.
يوم عقيم : منفرد عن سائر الأيام، لا مثيل له في شدته، والمراد به : الحرب الضروس.
أي : لا يزال كفار مكة في شك وريبة من هذا القرآن، حتى يأتيهم الموت فجأة دون أن يشعروا، أو يأتيهم عذاب يوم القيامة، وقيل : عذاب يوم بدر، حيث قتل منهم سبعون وأسر سبعون وفر الباقون.
وقد رجح العلماء أن المراد بعذاب يوم عقيم : عذاب يوم القيامة، لأن سياق الآية بعدها يرجح أن المراد به : عذاب يوم القيامة.
قال أبو السعود :
وسمي بعذاب يوم عقيم، لأنه لا يوم بعده، كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام، فما لا يوم بعده يكون عقيما، والمراد به الساعة أيضا، كأنه قيل : أو يأتيهم عذابها، ووضع ذلك موضع الضمير لمزيد التهويل.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة