وهدايته إيّاهم فقال: وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
٥٥ - قوله تعالى: وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا قال ابن عباس: يريد المشركين.
فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ المِرية والمُرية -بالكسر والضم- لغتان (١) (٢) معناها: الشك. ومنه الامتراء والتماري (٣).
وقوله مِنْهُ أي: مما ألقى الشيطان على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. يقولون: ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها؟ قاله السدي عن أصحابه (٤).
وقال ابن جريج: من القرآن (٥).
حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ يعني: القيامة بَغْتَةً فجأة. وهذا وعيد لهم بالقيامة، وهم لم يدركوها (٦) في حياتهم، ولكن الله تعالى أوعدهم وذكر
(٢) انظر: "الصحاح" للجوهري ٩/ ٢٤٩١ (مرا)، "لسان العرب" ١٥/ ٢٧٧ (مرا).
(٣) قوله: "الشك ومنه الامتراء والتَّماري" في "تهذيب اللغة" ١٥/ ٢٨٥ (مري) منسوبًا إلى الليث.
(٤) ذكره البغوي ٥/ ٣٩٧، والقرطبي ١٢/ ٨٧ من غير نسبة.
(٥) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٥ ب. ورواه الطبري ١٧/ ١٩٢. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٦٩ - ٧٠ وعزاه لابن المنذر.
واختار هذا القول الطبري ١٧/ ١٩٢ - ١٩٣ وقال: وذلك أن ذلك من ذكر قوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أقرب منه من ذكر قوله: فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ والهاء من قوله (أنّه) أي من ذكر القرآن وإلحاق الهاء في قوله: فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ بالهاء من قوله: إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أولى من إلحاقها بما التي في قوله: مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ مع بعد ما بينهما.
(٦) في (ظ): (يذكروها).
أنَّهم يترددون في حيرتهم (١) وشكّهم إلى أن تفجأهم الساعة أو يقتّلوا، وهو قوله أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ.
قال أبو إسحاق: أصل [العقم] (٢). العقم في الولادة. قال: هذه امرأة عقيم، كما قال الله -عز وجل-: عَجُوزٌ عَقِيمٌ [الذاريات: ٢٩] وكذلك: رجل عقيم، إذا كان لا يولد له (٣).
الأصمعي: يقال: عَقَامٌ وعَقيم (٤) مثل بَجَال وبَجيل (٥).
وجمعها: عقمٌ، ويقال: عقمت المرأة فهي معقومة وقد عقم الله رحمها وأعقمها (٦).
وروى عمرو (٧)، عن أبيه: عَقِمَت المرأة تَعْقَمُ عَقْمًا، وعَقَمَت تَعْقُم عُقْمًا، وعَقُمَت تَعْقُم عَقَمًا (٨)، وهي عقيم إذا كانت لا تحمل (٩).
(٢) زيادة من "معاني القرآن" للزجاج.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٣٤.
(٤) كسحاب وأمير. قاله الفيروزآبادي ٤/ ١٥٢.
(٥) "تهذيب اللغة" للأزهري ١/ ٢٨٨ (عقم) من رواية أبي عبيد، عن الأصمعي.
قال ابن منظور: رجل بجال وبجيل: يبجله الناس. وقيل: هو الشيخ الكبير العظيم السيد مع جمال ونبل. "لسان العرب" ١١/ ٤٤ (بجل).
(٦) من قوله: (وجمعها...) إلى هنا، هذا كلام أبي الهيثم كما في "تهذيب اللغة" للأزهري ١/ ٢٨٨ (عق)، دون قوله: وأعقمها.
(٧) هو: عمرو بن إسحاق بن مرار، الشيباني، اللغوي.
(٨) كفرح ونصر وكرم. قاله الفيروزابادي ٤/ ١٥٢.
(٩) "تهذيب اللغة" للأزهري ١/ ٢٨٩ (عقم) من رواية عمرو عن أبيه.
وقال أبو العباس: عقمت المرأة إذا لم تحمل، وهي عقيم (١).
وأنشد أبو إسحاق (٢):
| عقم النساء فما يلدن | شبيهه إن النساء بمثله عُقْم |
وعلى هذا العقيم: التي قطعت ولادتها.
وقال أبو عبيد: العقم: الشَّد (٤). يقال للمرأة: معقومة الرحم كأنَّها مشدودتها، ومنه الحديث: "وتعقم أصلاب المنافقين فلا يقدرون على السجود" (٥) أي: تشد وتيبس مفاصلهم.
(٢) البيت أنشده أبو إسحاق الزجاج في "معاني القرآن" ٣/ ٤٣٤ ولم ينسبه لأحد. ووقع في المطبوع: عقيم)، وهو خطأ.
والبيت ذكره أبو عمرو الشيباني في روايته لديوان أبي دهْبل الجمحي ص ٦٦، قال: حدثني موسى بن يعقوب قال: أنشدني أبو دهبل قوله في مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ثم ساق أبياتًا ومنها هذا البيت.
ونسب البيت أيضًا لأبي دهبل في: "عيون الأخبار" لابن قتيبة ١/ ٢٧٩، و"نسب قريش" لأبي عبد الله المصعب الزبيري ص ٣٣١، لكن عنده قالها في مدح عبد الله الأزرق بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس، و"الحماسة" لأبي تمام ص ٢٥٧، و"شرح ديوان الحماسة" للتبريزي ٤/ ٧٥، وقال: قالوا يمدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والبيت نسبه ابن منظور في "لسان العرب" ١٢/ ٤١٢ (عقم) لأبي دهبل -وروايته فيه "نسبه" في موضع (ما) - ثم قال: وقيل: هو للحزين الليثي.
(٣) قول أبي عمرو الشيباني في "تهذيب اللغة" للأزهري ١/ ٢٨٩ "عقم". وانظر: "لسان العرب" ١٢/ ٤١٣ (عقم).
(٤) في (أ). (السدَّ).
(٥) هذا قطعة من حديث رواه أبو عبيد في كتابه "غريب الحديث" ٤/ ٧١ عن عبد الله =
هذا هو الكلام في أصل العقيم في اللغة. ثم يقال: "يوم عقيم" للذي لا يأتي فيه خير. ويوم القيامة عقيم على الكفّار؛ لأنّه لا يأتي لهم بخير كما
ورواه الطبري في "تفسيره" ٢٩/ ٣٩ من حديث عبد الرحمن، به موقوفاً بلفظ: ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كانَّما فيها السَّفافيد.
ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ١٥/ ١٩١ - ١٩٥، والحاكم في "مستدركه" ٤/ ٥٩٨ - ٦٠٠ والطبراني في الكبير ٩/ ٤١٣ - ٤١٦ من حديث سفيان به، مطولاً جدًا، موقوفا، بمثل لفظ الطبري.
وقال الحاكم بعد إخراجه ٤/ ٦٠٠: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه.
وقال الذهبي -متعقبًا قول الحاكم-: قلت: ما احتجا بأبي الزعراء. أهـ.
وهذا الخبر عن المنافقين رواه من وجه آخر عن ابن مسعود مرفوعا إسحاقُ بن راهوية في مسنده (كما في المطالب العالية لابن حجر ٤/ ٣٦٥ - ٣٦٧)، والطبراني في الكبير ٩/ ٤١٦ - ٤٢١، والحاكم في "مستدركه" ٤/ ٥٩٠ ولفظ إسحاق: "وتدمج أصلاب المنافقين، فتكون عظمًا واحدا، كأنها صياصي البقر، ويخرّون على أقفيتهم".
قال ابن حجر في "المطالب" ٤/ ٣٦٧ بعد ذكره لرواية إسحاق: هذا إسناد صحيح متصل، ورجاله ثقات.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٣٤٣: رواه كله الطبراني في طرق، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة.
وقال الذهبي في "تلخيص المستدرك" ٤/ ٥٩٢ - ٥٩٣ ما أنكره حديثًا على جودة إسناده، وأبو خالد -يعني الدالاني- شيعي منحرف. اهـ.
وذكر هذا الحديث السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٢٥٧ وعزاه لإسحاق بن راهويه وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والطبرابي والآجري في "الشريعة" والدارقطني في "الرؤية" والحاكم وابن مردويه والبيهقي في "البعث".
يأتي للمؤمنين. والريح العقيم: التي لا تأتي بمطر ولا سحاب ولا تلقح (١) شجرًا (٢).
وأما التفسير: فقال ابن عباس: يريد يوم بدر (٣).
وهو قول قتادة (٤)، ومجاهد (٥)، والسدي (٦)، وأبيّ بن كعب (٧).
واختلفوا: لم سُمِّي يوم بدر عقيمًا.
فقال ابن عباس: لأنّه ليس ليوم بدر نظير من الأيام لا قبله ولا بعده، لم تقاتل الملائكة مع نبيّ قط إلاّ مع محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولم تقاتل مع محمد إلا يوم بدر.
وعلى هذا سمي عقيمًا، لأنه لا نظير له في عِظَمِه بقتال الملائكة فيه، فكأنَّ الدهر عقيم عن مثل ذلك اليوم.
وقال الكلبي: يوم عقيم لا فرج (٨) فيه وهو يوم بدر.
(٢) انظر: (عقم) في "تهذيب اللغة" للأزهري ١/ ٢٨٨، "الصحاح" للجوهري ٥/ ١٩٨، "لسان العرب" ١٢/ ٤١٣.
(٣) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٧٠ وعزاه لابن مردويه والضياء في المختارة.
(٤) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٤١، والطبري ١٧/ ١٩٣.
(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٩٣.
(٦) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤٤٤.
(٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٤١ عن قتادة قال: بلغني أن أبيّ بن كعب كان يقول: أربع آيات أنزلت في بدر. هذه إحداهن "يوم عقيم" يوم بدر.
وهو منقطع. ورواه الطبري ١٧/ ١٩٣ من هذا الوجه مختصرًا.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٧٠ وعزاه لابن مردويه.
(٨) في (أ)، (ظ)، (د): (لا فرح)، والمثبت من (ع).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي