( ج ) ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض أي إنه تعالى سخر ما في ظاهر الأرض وباطنها، لينتفع به الإنسان في مصالحه ومرافقه المختلفة ويصرفه فيما أراد من شؤون معايشه، ولا يزال العلم يهديه إلى غريب الأمور مما لم يكن يخطر على لأسلافه على بال مما لو حدث به السالفون لقالوا إنه ترهات وأباطيل وما صدقه بشر، ولا يزال العلم يولد كل يوم جديدا : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [ الإسراء : ٨٥ ] ويهتدي العقل إلى ما هو أشبه بالمعجزات، لولا أن سدت أبواب النبوات.
ونحو الأية قوله : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه [ الجاثية : ١٣ ].
( د ) والفلك تجري في البحر بأمره أي وسخر لكم السفن تجري في البحار برفق وتؤدة حاملة ما تريدون من نائي الأصقاع، وبعيد المسافات، من سلع وحيوان وأناسي، وبذلك يتم تبادل مرافق الحياة بالأخذ والعطاء.
( ه ) ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه أي و إن الله يمسك أجرام الكواكب من شمس وقمر وكواكب نيرات بنظام الجاذبية، إذ جعل لكل منها مدار خاصا بها لا تعدوه بحال، ولا تزال كذلك ما بقيت الحياة الدنيا، حتى إذا اقتربت الساعة اختل نظامها وانتثرت في الفضاء كما ألمع إلى ذلك سبحانه بقوله : إذا السماء انفطرت ( ١ ) وإذا الكواكب انتثرت [ الانفطار : ١- ٢ ] الآية.
ولولا هذا النظام الخاص لاصطدمت الكواكب العظيمة بعضها ببعض، وفسد العالم الأرضي، ولم يعش على ظهر البسيطة إنسان ولا حيوان.
إن الله بالناس لرؤوف رحيم أي إنه تعالى رحيم بهم، إذ جعلهم على تلك الشاكلة، ليتسنى لهم البحث عن أسباب معايشهم وأسباب منافعهم، وأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية على وجوده وبعثة رسله.
تفسير المراغي
المراغي