ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

انتهى الدرس الماضي ببيان عاقبة المؤمنين والمكذبين يوم يكون الملك لله وحده. وذلك في سياق نصرة الله لرسله، وصيانته لدعوته، وثوابه لمن يؤمن بها، وعقابه لمن يكذبها.
فالآن يبدأ هذا الدرس بالحديث عن المهاجرين، بعدما سبق الإذن لهم بالقتال، دفاعا عن عقيدتهم، وعن عبادتهم، ودفعا للظلم عن أنفسهم، وقد أخرجوا من ديارهم بغير حق، ولم تكن جريرتهم إلا أن يقولوا : ربنا الله، ويبين ما أعده لهم من عوض عما تركوا من ديار و أموال..
ثم يتحدث بصفة عامة في صورة حكم عام عمن يقع عليهم الاعتداء فيردون عليه بمثله، ثم يقع عليهم البغي والعدوان، فيعدهم نصر الله في صيغة التوكيد.
ويعقب على هذا الوعد الوثيق باستعراض دلائل القدرة التي تضمن تحقيق ذلك الوعد الوثيق.. وهي دلائل كونية تتجلى في صفحات الكون و نواميس الوجود ؛ وتوحي بأن نصر الله للمظلومين الذين يدفعون عن أنفسهم، و يعاقبون بمثل ما وقع عليهم، ثم يقع عليهم البغي.. سنة كونية ترتبط بنواميس الوجود الكبرى..
و عندئذ يتوجه الخطاب الى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بأن لكل أمة منهجا هي مأمورة به ومهيأة لنهجه، كل يشغل نفسه بجدال المشركين، ولا يدع لهم فرصة لينازعوه في منهجه. فإن جادلوه فليكل أمرهم إلى الله، الذي يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، فهو أعلم بحقيقة ما هم عليه، وهو الذي يعلم ما في السماء والأرض.
ويعرض بعبادتهم ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم ؛ وبقسوة قلوبهم ونفورهم من سماع كلمة الحق، حتى ليكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم آيات الله. ويهددهم إزاء همهم بالسطو على دعاة الحق بالنار التي جعلها الله مصيرهم ووعدهم بها وعدا لا بد آت !
ثم يعلن في صورة بيان عام شامل للخليقة عن ضعف من يدعونهم من دون الله. ويصور ضعفهم في صورة زرية لا مبالغة فيها. ولكنها بطريقة عرضها تجسم الضعف المزري. فهي صورة من لا يقدرون على منازلة الذباب، ولا على استنفاذ ما يسلبهم إياه الذباب.. وهم آلهة كما يدعي لهم المشركون !
وينتهي الدرس وتنتهي السورة معه بتوجيه الخطاب إلى الأمة المؤمنة لتنهض بتكاليفها. وهي تكاليف الوصاية على البشرية. مستعدة لها بالركوع والسجود والعبادة وفعل الخير، مستعينة عليها بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله..
ويستطرد السياق مرة أخرى إلى استعراض دلائل القدرة المعروضة للناس في كل حين :
( ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض، والفلك تجري في البحر بأمره. ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه. إن الله بالناس لرؤوف رحيم )..
وفي هذه الأرض كم من قوة وكم من ثروة سخرها الله لهذا الإنسان ؛ وهو غافل عن يد الله ونعمته التي يتقلب فيها بالليل والنهار !
لقد سخر الله ما في الأرض لهذا الإنسان، فجعل نواميسها موافقة لفطرته وطاقاته. ولو اختلفت فطرة الإنسان وتركيبه عن نواميس هذه الأرض ما استطاع الحياة عليها، فضلا على الانتفاع بها وبما فيها.. لو اختلف تركيبه الجسدي عن الدرجة التي يحتمل فيها جو هذه الأرض، واستنشاق هوائها، والتغذي بطعامها والارتواء بمائها لما عاش لحظة. ولو اختلفت كثافة بدنه أو كثافة الأرض عما هي عليه ما استقرت قدماه على الأرض، ولطار في الهواء أو غاص في الثرى.. ولو خلا وجه هذه الأرض من الهواء أو كان هذا الهواء أكثف مما هو أو أخف لاختنق هذا الإنسان أو لعجز عن استنشاق الهواء مادة الحياة ! فتوافق نواميس هذه الأرض وفطرة هذا الإنسان هو الذي سخر الأرض وما فيها لهذا الإنسان. وهو من أمر الله.
ولقد سخر الله له ما في الأرض مما وهبه من طاقات وإدراكات صالحة لاستغلال ثروات هذه الأرض، وما أودعه الله إياها من ثروات وطاقات ظاهرة وكامنة ؛ يكشف منها الإنسان واحدة بعد واحدة - وكلما احتاج إلى ثروة جديدة فض كنوزا جديدة. وكلما خشي أن ينفذ رصيده من تلك الكنوز تكشف له منها رصيد جديد.. وها هو ذا اليوم لم يستنفد بعد ثروة البترول وسائر الفلزات ثم فتح له كنز الطاقة الذرية والطاقة الإيدروجينية. وإن يكن بعد كالطفل يعبث بالنار فيحرق نفسه بها ويحرق سواه، إلا حين يهتدي بمنهج الله في الحياة، فيوجه طاقاتها وثرواتها إلى العمران والبناء، ويقوم بالخلافة في الأرض كما أرادها الله !
( والفلك تجري في البحر بأمره ).. فهو الذي خلق النواميس التي تسمح بجريان الفلك في البحر. وعلم الإنسان كيف يهتدي إلى هذه النواميس، فيسخرها لمصلحته وينتفع بها هذا الانتفاع. ولو اختلفت طبيعة البحر أو طبيعة الفلك. أو لو اختلفت مدارك هذا الإنسان.. ما كان شيء من هذا الذي كان !
( ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ).. وهو الذي خلق الكون وفق هذا النظام الذي اختاره له ؛ وحكم فيه تلك النواميس التي تظل بها النجوم والكواكب مرفوعة متباعدة، لا تسقط ولا يصدم بعضها بعضا..
وكل تفسير فلكي للنظام الكوني ما يزيد على أنه محاولة لتفسير الناموس المنظم للوضع القائم الذي أنشأه خالق هذا النظام. وإن كان بعضهم ينسى هذه الحقيقة الواضحة، فيخيل إليه أنه حين يفسر النظام الكوني ينفي يد القدرة عن هذا الكون ويستبعد آثارها ! وهذا وهم عجيب وانحراف في التفكير غريب. فإن الاهتداء إلى تفسير القانون - على فرض صحته والنظريات الفلكية ليست سوى فروض مدروسة لتفسير الظواهر الكونية تصح أو لا تصح، وتثبت اليوم وتبطل غدا بفرض جديد - لا ينفي وجود واضع القانون. وأثره في إعمال هذا القانون..
والله سبحانه ( يمسك السماء أن تقع على الأرض )بفعل ذلك الناموس الذي يعمل فيها وهو من صنعه. ( إلا بإذنه )وذلك يوم يعطل الناموس الذي يعمله لحكمة ويعطله كذلك لحكمة.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير