ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

ولا يمكن الوقوف على هذه النعم والقيام بشكرها، إلا بالتمسك بالشرع والوحي الإلهي، الذي أنزل الله على كل أمة كما أبان ذلك بقوله :
لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ * وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَآءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذالِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ
يقول الحقّ جلّ جلاله : لكل أمةْ من الأمم الخالية والباقية جعلنا أي : وضعنا، وعَيَّنا منسَكًا : شريعة خاصة يتمسكون بها، أي : عيّنا كل شريعة لأمة معينة من الأمم، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى، لا استقلالاً ولا اشتراكًا، فكل جيل لهم شرع مخصوص، هم ناسكوه : عاملون به، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى -عليهما السلام- منسكهم التوراة، هم عاملون به لا غيرهم. والتي كانت من مبعث عيسى عليه السلام إلى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم منسكهم الإنجيل، هم ناسكوه وعاملون به. وأما الأمة الموجودة عند مبعث النبي -عليه الصلاة والسلام- ومن بعدهم إلى يوم القيامة ؛ فهم أمة واحدة، منسكهم القرآن، ليس إلا.
والفاء في قوله : فلا ينازعنك في الأمر لترتيب ما بعدها على ما قبلها ؛ فإن تعيين كل أمة بشرع مخصوص، يجب اتباعه، يُوجب اتباع هؤلاء الموجودين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم منازعتهم له في أمر الدين، أي : فلا يجادلنك في أمر الدين، بل يجب عليهم الاستسلام والانقياد لكل أمر ونهي. أو : فلا تلتفت إلى قولهم، ولا تمكنهم من أن ينازعوك في الأمر، أي : أمر الدين أو أمر الذبائح. قيل : نزلت حين قال المشركون للمسلمين : ما لكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله ؟ يعني : الميتة، فأمر الله بالغيبة عنهم، وعدم الالتفات إلى قولهم. وادعُ إلى ربك أي : دم على الدعاء إلى الله، والتمسك بدينه القويم ؛ إِنك لعلى هُدىً مستقيم : طريق قويم موصل إلى الحق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كما اختلفت الشرائع باختلاف الملل، اختلفت التربية باختلاف الأشخاص والأعصار، وقد تقدم عند قوله : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً [ المائدة : ٤٨ ]. وجملتها ترجع إلى الهمة والحال، وبهما كانت التربية في الصدر الأول، فكانت الملاقاة والصحبة تكفي، ويحصل التهذيب والتصفية وكمال المعرفة. وذلك في زمان الصحابة والتابعين إلى القرن الثالث ؛ لقربهم من النور النبوي. فلما بَعُد الأمر، وأظلمت القلوب، أحدثوا تربية الاصطلاح، وهو التزيي بزي مخصوص، كالمرقعة وحمل السبحة في العنق، والركوة، وغير ذلك من مسائل التجريد، وترتيب أمور تموت بها النفوس وتعالج بها القلوب، واستعمال أوراد مخصوصة، فكانت التربية حينئذ بالهمة والحال والاصطلاح. وقد تحصل التربية لمن له الهمة والحال بغير اصطلاح، إذا رآه ينجع فيه ذلك، فبقي الأمر كذلك إلى القرن التاسع، فتصدى للتربية بالاصطلاح قوم مُدَّعُون، لا همة لهم ولا حال، فقال الحضرمي حسمًا لهذه الدعوى : قد انقطعت التربية بالاصطلاح، وما بقي إلا الهمة والحال، فعليكم بالكتاب والسنة، أي : بظاهر الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان، يعني طريق الأحوال والاصطلاح. ومراده بذلك : قطع التربية بالاصطلاح من غير همة ولا حال. وأما من له الهمة والحال فلا يقصد الحضرمي قطع تربيته بالاصطلاح. والحاصل : أن الحضرمي ما حكم إلا على وقته ؛ لِمَا رأى من الفساد الذي دخل في التربية. وقد وُجد بعده رجال مُربون بالاصطلاح مع الهمة والحال. والمراد بالهمة : العلم بالله على نعت الشهود والعيان، وبالحال : إنهاض القلوب عند رؤيته لذكر الله ؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام- :" خَيْرُكُمْ مَنْ إِذا رُؤوا ذُكر اللهُ ". ولا بد من إذن خاص من الشيخ، أو من يقوم مقامه، وإلا فلا تنجح تربيته، ولا ينهض حاله. والله تعالى أعلم.
فإن تأهلتَ للتربية بإذن خاص، فلا ينازعنك في الأمر، أي : لا تلفت إلى من ينازعك ويحتج عليك بانقطاع التربية ؛ تعنتًا وعنادًا. وادع إلى ربك، إنك لعلى هدى مستقيم. قال القشيري : قوله : وإن جادلوك… الخ، أي : كِلْهُم إلينا، عندما راموا أمر الجدال، ولا تتكل على ما تختاره من الاحتيال، واحذر جنوحَ قلبك إلى الاستغاثة بالأمثال والأشكال ؛ فإنهم قوالبُ خاويةٌ. وأشباحٌ من رؤية المعاني خالية. هـ. ويوم القيامة يظهر المحق من المبطل، ويقال في شأن من يعبد هواه : ويعبدون من دون الله… الآية.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير