قوله تعالى : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً الآية في نصب ( عَبَثاً ) وجهان :
أحدهما : أنّه مصدر واقع موقع الحال أي : عابثين.
والثاني : أنه مفعول من أجله أي : لأجل العبث(١). والعَبَث : اللعب، وما لا فائدة فيه، أي : لتعبثوا(٢) وتلعبوا، كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وكل ما ليس له غرض صحيح. يقال : عَبَثَ يَعْبِثُ عَبثاً إذا خلط عليه بلعب، وأصله من قولهم عبثت(٣) الأَقِط(٤)، أي : خلطته(٥)، والعَبِيث : طعام مخلوط بشيء، ومنه العَوْبَثَانِي لتمر وسُوَيْق وسمن مختلط. قوله :«وَأَنَّكُمْ » يجوز أن يكون معطوفاً على ( أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ ) لكون الحسبان منسحباً عليه(٦) وأن يكون معطوفاً على ( عَبَثاً ) إذا كان مفعولاً من أجله.
قال الزمخشري : ويجوز أن يكون معطوفاً على ( عَبَثاً ) أي : للعبث ولترككم غير مرجوعين(٧) وقُدّم «إِلَيْنَا » على ( تُرْجَعُونَ ) لأجل الفواصل.
قوله :«لاَ تُرْجَعُونَ » هو خبر «أَنَّكُمْ »(٨)، وقرأ الأخوان(٩) «تَرْجِعُونَ » مبنياً للفاعل، والباقون مبنياً للمفعول(١٠). وقد تقدّم أن ( رجع ) يكون لازماً ومتعدياً(١١). وقيل : لا يكون إلا متعدّياً، والمفعول محذوف.
فصل
لما شرح صفات القيامة استدل على وجودها بأنّه لولا القيامة لما تميّز المُطيع عن العاصي، والصديق عن الزنديق، وحينئذ يكون هذا العالم عَبَثاً(١٢)، وهو كقوله : أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى (١٣) [ القيامة : ٣٦ ]. والمعنى : أَنَّما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله عزَّ وجلَّ (١٤).
رُوي أن رجلاً مُصاباً مُرَّ به على ابن مسعود فَرَقَاهُ(١٥) في أذنيه أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ حتى ختمها، فَبَرأ، ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بماذا رقيته في أذنه فأخبره )(١٦) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«والذي نفسي بيده لو أنّ رجلاً موقناً قرأها على جبل لَزَال »(١٧).
٢ في ب: عبث..
٣ الأقط: شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل. اللسان (أقط).
٤ في ب: خلطه..
٥ اللسان (عبث)..
٦ انظر الكشاف ٣/٥٨، البحر المحيط ٦/٤٢٤..
٧ الكشاف ٣/٥٨..
٨ في ب: لكم. وهو تحريف..
٩ حمزة والكسائي..
١٠ السبعة (٤٤٩ – ٤٥٠) الحجة لابن خالويه (٢٥٩) الكشف ٢/١٣٨، النشر ٢/٢٠٨ – ٢٠٩، الإتحاف ٣٢١..
١١ عند قوله تعالى: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله [البقرة: ٢٨١] انظر اللباب ٢/١٤٢..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٢٩..
١٣ [القيامة: ٣٦]..
١٤ في ب: تعالى..
١٥ في ب: فرواه. وهو تحريف..
١٦ ما بين القوسين سقط من ب..
١٧ أخرجه الترمذي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن مسعود. الدر المنثور ٥/١٧..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود