ثم تمم توبيخهم يوم القيامة بقوله :
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
قلت :( أفحسبتم ) : المعطوف محذوف، أي : ألم تعلموا شيئاً فحسبتم، و( عبثاً ) : حال، أو مفعول من أجله.
يقول الحق جل جلاله : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً أي : عابثين، أو للبعث من غير حكمة في خلقكم وإظهاركم حتى أنكرتم البعث، وأنكم إلينا لا ترجعون للحساب والجزاء، بل خلقناكم للتكليف، ثم للرجوع إلينا، فنُثيب المحسن، ونعاقب المسيء.
وقال بعضهم : إنما أظهر الله الكون لأجل نبينا صلى الله عليه وسلم تشريفاً له، فهو من نوره. قال ابن عباس رضي الله عنه : أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام : يا عيسى ابن مريم ؛ آمن بمحمد، ومُر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار... الحديث.
قال القشيري : حسابُه على الله في آجله، وعذابُه من الله له في عاجله، وهو ما أودعَ قلبَه حتى رَضِيَ أنْ يَعْبُدَ معه غيره، لقوله : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [ الزمر : ٣ ]، كلامٌ حاصلٌ عن غير دليل عقل، ولا شهادة خبرٍ ونقل، فما هو إلا إفك وبهتان، وقولٌ ليس يساعده برهان. هـ وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق - وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليماً، والحمد لله رب العالمين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي