كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ التي تدعون ان ترجعوا إليها يقال لبث بالمكان اقام به ملازما له عَدَدَ سِنِينَ تمييز لكم قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ استقصارا لمدة لبثهم فيها بالنسبة الى دخولهم فى النار او لانها كانت ايام السرور وايام السرور قصار أو لأنها منقضية والمنقضى كالمعدوم
هر دم از عمر كرامى هست كنج بى بدل
ميرود كنجى چنين هر لحظه بر باد آه آه
فَسْئَلِ الْعادِّينَ اى الذين يعلمون عد ايامها ان أردت تحقيقها فانا لما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكرها وإحصائها وفى التأويلات النجمية فاسأل العادين يعنى الذين يعدّون أنفاسنا وأيامنا وليالينا من الملائكة الموكلين علينا قالَ الله تعالى إِنْ ما لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا تصديقا لهم فى تقليلهم لسنى لبثهم فى الدنيا وقليلا صفة مصدر محذوف اى لبثا قليلا او زمان محذوف اى زمانا قليلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لعلمتم يومئذ قلة لبثكم فيها كما علمتم اليوم وفى بحر العلوم اى لو كنتم تعلمون مقدار لبثكم من الطول لما أجبتم بهذه المدة فعلى العاقل ان يتدارك حاله ويصلح اعماله قبل ان تنفد الأنفاس وينهدم الأساس: قيل
ألا انما الدنيا كظل سحابة
أظلتك يوما ثم عنك اضمحلت
فلا تك فرحانا بها حين أقبلت
ولا تك جزعانا بها حين ولت
قال أردشير بن بابك بن ساسان وهو أول ملك من آل ساسان لا تركنن الى الدنيا فانها لا تبقى على أحد ولا تتركها فان الآخرة لا تنال الا بها قال العلامة الزمخشري استغنم تنفس الاجل وإمكان العمل واقطع ذكر المعاذير والعلل فانك فى أجل محدود وعمر غير ممدود قال الشيخ سعدى قدس سره
كنون وقت تخمست اگر پرورى
كر اميدوار اى كه خرمن برى
بشهر قيامت مرو تنكدست
كه وجهى ندارد بغفلت نشست
غنيمت شمر اين كرامى نفس
كه پى مرغ قيمت ندارد قفس
مكن عمر ضايع بافسوس وحيف
كه فرصت عزيزست والوقت سيف
قال بعض الكبار لو علمت ان مافات من عمرك لا عوض له لم يصح منك غفلة ولا إهمال ولكنت تأخذ بالعزم والحزم بحيث تبادر الأوقات وتراقب الحالات خوف الفوات عاملا على قول القائل
السباق السباق قولا وفعلا
حذر النفس حسرة المسبوق
وما حصل من عمرك إذا علمت ان لا قيمة له كنت تستغرق أوقاتك فى شكر الحاصل وتحصيل الواصل فقد قال على رضى الله عنه بقية عمر المرء مالها ثمن يدرك به منها ما فات ويحيى ما مات وفى الحديث (ما من ساعة تأتى على العبد لا يذكر الله فيها الا كانت عليه حسرة يوم القيامة) واعلم ان العباد على قسمين فى أعمارهم فرب عمر اتسعت آماده وقلت إمداده كاعمار بعض بنى إسرائيل إذ كان الواحد منهم يعيش الالف ونحوها ولم يحصل على شى مما يحصل لهذه الامة مع قصر أعمارها ورب عمر قليلة آماده كثيرة إمداده كعمر من فتح عليه من هذه
صفحة رقم 110
الامة فوصل الى عناية الله بلمحة فمن بورك له فى عمره أدرك فى يسير من الزمان ما لا يدخل تحت العبارة فالخذلان كل الخذلان ان تتفرع من الشواغل ثم لا تتوجه اليه بصدق النية حتى يفتح عليك بما لا تصل الهمم اليه وان تقل عوائقك ثم لا ترحل اليه عن عوالم نفسك والاستئناس بيومك وامسك فقد جاء خصلتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراع ومعناه ان الصحيح ينبغى ان يكون مشغولا بدين او دنيا فهو مغبون فيهما أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً الهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء للعطف على مقدر. والحسبان بالكسر الظن وعبثا حال من نون العظمة بمعنى عابثين وهو ما ليس لفاعله غرض صحيح او ارتكاب امر غير معلوم الفائدة. والمعنى أغفلتم وظننتم من فرط غفلتكم انا خلقناكم بغير حكمة وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ عطف على انما خلقناكم اى وحسبتم عدم رجوعكم إلينا يعنى ان المصلحة من خلقكم الأمر بالعمل ثم البعث للجزاء ومعنى الرجوع الى الله الرجوع الى حيث لا مالك ولا حاكم سواه قال الترمذي ان الله خلق الخلق ليعبدوه فيثيبهم على العبادة ويعاقبهم على تركها فان عبدوه فانهم عبيد أحرار كرام من رق الدنيا ملوك فى دار السلام وان رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد إباق سقاط لئام وغدا اعداء فى السجون بين أطباق النيران وفى التأويلات النجمية (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً) بلا معنى ينفعكم او يضركم حتى عشتم كما يعيش البهائم فما تقربتم إلينا بالأعمال الصالحات للتقرب وحسبتم (أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) باللطف والقهر فالرجوع باللطف بان يموت بالموت الاختياري قبل الموت الاضطراري وهو بان ترجعوا من أسفل سافلين الطبيعة على قدمى الشريعة والطريقة الى أعلى عليين عالم الحقيقة والرجوع بالقهر بان ترجعوا بعد الموت الاضطراري فتقادون الى النار بسلاسل تعلقاتكم بشهوات الدنيا وزينتها وأغلال صفاتكم الذميمة وعن بهلول قال كنت يوما فى بعض شوارع البصرة فاذا بصبيان يلعبون بالجوز واللوز وإذا أنا بصبى ينظر إليهم ويبكى فقلت هذا صبى يتحسر على ما فى أيدي الصبيان ولا شىء معه فيلعب به فقلت اى بنى ما يبكيك اشترى لك من الجوز واللوز ما تلعب به مع الصبيان فرفع بصره الىّ وقال يا قليل العقل ما للعب خلقنا فقلت اى بنى فلماذا خلقنا فقال للعلم والعبادة فقلت من اين لك ذلك بارك الله فيك قال من قول الله تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) قلت له اى بنى أراك حكيما فعظنى وأوجز فانشأ يقول
ارى الدنيا تجهز بانطلاق... مشمرة على قدم وساق
فلا الدنيا بباقية لحى... ولا حى على الدنيا بباق
كأن الموت والحدثان فيها... الى نفس الفتى فرسا سباق
فيا مغرور بالدنيا رويدا... ومنها خذ لنفسك بالوثاق
ثم رمق السماء بعينيه وأشار إليها بكفيه ودموعه تنحدر على خديه وهو يقول
يا من اليه المبتهل... يا من عليه المتكل
يا من إذا ما آمل... يرجوه لم يخط الأمل
قال فلما أتم كلامه خر مغشيا عليه فرفعت رأسه الى حجرى ونفضت التراب عن وجهه بكمى فلما أفاق قلت له اى بنى ما نزل بك وأنت صبى صغير لم يكتب عليك ذنب قال إليك عنى