ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ( ١٢ ) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ( ١٣ ) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ( ١٤ ) ثم إنكم بعد ذلك لميتون ( ١٥ ) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون [ المؤمنون : ١٢- ١٦ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحوال السعداء المفلحين قفى على ذلك بذكر مبدئهم ومآل أمرهم وأمر غيرهم من بني الإنسان، وفي هذا إعظام للمنة، وحث على الاتصاف بحميد الصفات، وتحمل مؤونة التكاليف، ثم ذكر أن كل ذلك منته إلى غاية هي يوم القيامة الذي تبعثون وتحاسبون فيه على أعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
تفسير المفردات :
والعلقة : الدم الجامد. والمضغة : قطعة اللحم قدر ما يمضغ، تبارك الله : أي تعالى وتقدس.
الإيضاح :
ثم خلقنا النطفة علقة أي ثم حولنا النطفة من صفتها الثانية إلى صفة العلقة وهي الدم الجامد.
فخلقنا العلقة مضغة أي ثم جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة أي قطعة لحم بمقدار ما يمضغ.
فخلقنا المضغة عظاما أي فصيرناها كذلك، وميزنا بين أجزائها، فما كان منها من العناصر الداخلة في تكوين العظام جعلناه عظاما، وما كان من مواد اللحم جعلناه لحما، والمواد الغذائية شاملة لذلك ومنبثة في الدم، ومن ثم قال :
فكسونا العظام لحما أي فجعلنا اللحم كسوة لها، من قبل أنه يستر العظام، فأشبه بالكسوة الساترة للجسم.
ثم أنشأناه خلقا أخر مباينا للخلق الأول، إذ نفخنا فيه الروح وجعلناه حيوانا بعد ما كان أشبه بالجماد، ناطقا سميعا بصيرا، وأودعنا فيه من الغرائب ظاهرها وباطنها ما لا يحصى.
وقد قال العلماء : إن جميع أعضاء الإنسان مقسمة تقسيما دقيقا على نسب معينة مقيسة بشبره، فطوله ثمانية أشبار بشبره، وإذا مد يديه إلى أعلى كان عشرة أشبار بقياسه، وإذا مد يديه إلى الجانبين كان طولهما كطوله على السواء، ومن ثم جعل المصريون أصل المقاييس الشبر، وجعلوا كل ضلع من أضلاع الهرم الأكبر بالجيزة ألف شبر بشبر الإنسان.
فتبارك الله أحسن الخالقين أي فتنزه ربنا جلت قدرته، وهو أحسن المقدرين المصورين.
عن أنس قال : قال عمر : وافقت ربي في أربع، قلت : يا رسول الله لو صلينا خلف المقام فأنزل الله واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [ البقرة : ١٢٥ ]وقلت : يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجابا، فإنه يدخل عليك البر والفاجر فأنزل الله وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب [ الأحزاب : ٥٣ ] وقلت لأزواج النبي ( ص ) : لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن فنزلت عسى ربه إن طلقكن [ التحريم : ٥ ]الآية، ونزلت ولقد خلقنا الإنسان من سلالة إلى قوله ثم أنشأناه خلقا آخر فقلت :" فتبارك الله أحسن الخالقين " فقال رسول الله ( ص ) : هكذا أنزلت يا عمر أخرجه الطيالسي.
ويقول الدكتور أحمد محمد كمال في مجلة الدكتور، إن كلمة " تراب " أو " طين " الواردة في القرآن وردت بمعناها المجازي، فالإنسان بل جميع الكائنات الحية تتركب كيميائيا من عناصر أولية جمعها الخالق سبحانه وتعالى وركبها في شكل مادة كيميائية معقدة هي البروتوبلازم أي المادة الحيوية التي تتركب منها الخلايا والأنسجة الحيوانية والنباتية، وهذه المادة الحيوية تتركب من عناصر الأوكسجين والأيدروجين والكربون و الأزوت والكبريت والفسفور والكالسيوم و الصديوم والكلور والحديد والنحاس واليود إلخ.
فإذا نظرنا إلى التراب وقمنا بتحليل عينات منه وجدنا أنه يحتوي على نفس العناصر الأولية المذكورة.
وليس أدل على أن التعبير مجازي من أن جسم الإنسان أو الحيوان أو النبات عندما يتحلل بعد الوفاة يتحول إلى رماد أو تراب بنفس العناصر.
ويقول الدكتور سالم محمد في هذه المجلة : إن الخلق في قوله : إن خلقناكم من تراب قد يكون إشارة إلى خلق آدم نفسه وقد يكون بمعنى أن النطفة في كل من الذكر والأنثى وليدة عملية التغذية التي يتغذى بها الإنسان أو الجسم، وأصل هذه التغذية ومنشؤها من التراب، والنطفة هي الحيوان المنوي للذكر والبويضة للأنثى، فإذا تم التلقيح بدأت البويضة في الانقسام بدأ تطور العلقة وهي مجموعة من الخلايا الحية تنقسم إليها البويضة بعد تلقيحها. وإنما سميت في هذا الطور علقة للشبه الكبير بينها وبين علق الماء.
وطور العلقة في حياة الجنين يبلغ أربعة أسابيع، ثم تتطور العلقة إلى مضغة للشبه الكبير بينها وبين قطعة اللحم الممضوغة ويبلغ طور المضغة بضع أسابيع، ثم يبدأ ظهور خلايا العظام، فاللحم أي العضلات التي تكسو هذه العظام.
وقوله : ثم أنشأناه خلقا آخر أي إنه من هذه الخلايا ومن هذه الأطوار المتعددة يخرج الله لنا هذه الصورة الإنسانية الجميلة التي تشهد بقدرة الخالق وعظمته.
وقوله : ثم جعلناه نطفة في قرار مكين فالقرار المكين هو الرحم، ومن يدرس تشريح الرحم وموضعه المكين الأمين في أسفل بطن المرأة ويرى ذلك الوعاء ذا الجدار العريض السميك تم ترى هذه الأربطة العريضة و الأربطة المستديرة، وهذه الأجزاء من البريتون التي تشده إلى المثانة والمستقيم، وكلها تحفظ توازن الرحم وتشد أزره، وتحميه من الميل أو السقوط، وتطول معه إذا ارتفع عند تقدم الحمل، وتقصر إلى طولها الطبيعي تدريجيا بعد الولادة، وكذلك من يدرس تكوين الحوض عظامه يعرف جليا صدق قوله ثم جعلناه نطفة في قرار مكين وكذلك في الرحم سائل أمينوس داخل جيب المياه يعوم فيه الجنين بحرية ويدفع عن الجنين ما قد تلاقيه الأم من صدمات وهزات عنيفة قد تصل إليه فتؤذيه إن لم يهدئ هذا السائل من قوتها ويضعف من شدتها.
ثم هو يحتفظ للجنين بحرارة مناسبة حيث إنه موصل رديء للحرارة، وكذلك هو يقوم بعملية تحديد عنق الرحم وتوسيعه وقت الولادة – القرن – كما يقوم بعملية التطهير أمام الجنين بما فيه من خواص مطهرة، فكل ذلك يزيد الرحم مكنة وأمنا.
وهكذا يبدو أن مصير هذا الكتاب العجيب الخالد لا يفنى، وأن معين العلم والإلهام فيه لا يضمحل ولا يغيض، وأن الدنيا ستظل تكشف فيه آفاقا بعد آفاق كلما تقدم العلم فتلقى ما بهذا الكتاب الكريم من إيحاءات و إشراقات سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [ فصلت : ٥٣ ].
تفسير المراغي
المراغي