آدم- دل (١) ذلك على إنسان مثله (٢)، وعرف ذلك بفحوى الكلام فكُني عنه وهذا قول صاحب النظم.
ومثل هذا في القرآن (٣) قوله تعالى: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا [المائدة: ١٠١] فالكناية في (عنها) ليست (٤) تعود على (أشياء) المذكورة في قوله: عَنْ أَشْيَاءَ ولكنها تعود على (٥) أشياء أخر (٦) سواها لا هي، وجاز ذلك لأن المذكورة دلت عليها من حيث اجتمعتا في اللفظ. وقد مر.
وقوله: فِي قَرَارٍ مَكِينٍ يعني مستقر، وموضع قرار، فسماه بالمصدر.
قوله: مَّكِينٍ قال المفضل: مطمئن غير مضطرب (٧). يقال: مكين: بين المكانة (٨).
قال ابن عباس والمفسرون في قوله: مَّكِين: يريد الرحم، مُكن فيه بأن هُيىء لاستقراره فيه إلى بلوغ أمده الذي جعل له (٩).
١٤ - قوله: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ مفسر في سورة الحج إلى قوله:
(٢) العبارة في (ظ): (على أن له إنسان مثله).
(٣) في (ع) زيادة: (كثير) بعد قوله (القرآن).
(٤) (ليست): ساقطة من (ع).
(٥) في (أ): (إلي).
(٦) (أُخَر): ساقطة من (أ).
(٧) لم أجده.
(٨) قوله: (يقال: مكين) إلى هنا في "تهذيب اللغة" للأزهري ١٠/ ٢٩٢ (مكان) منسوبًا لأبي زيد.
(٩) انظر: "الطبري" ١٨/ ٩.
فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ (١).
عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا وقرئ كلاهما (عظمًا) على الواحد (٢).
قال الزجاج (٣): التوحيد والجمع هاهنا جائزان؛ لأنه يعلم أن الإنسان ذو عظام، وإذا ذكر على التوحيد فلأنه يدل على الجمع، ولأن معه اللحم ولفظه لفظ الواحد فقد علم أن العظم يراد به العظام.
قال: وقد (٤) يجوز من التوحيد إذا (٥) كان في الكلام دليل على الجمع ما هو أشد من هذا. قال الشاعر:
في حلقكم عظم (٦) وقد شجينا (٧)
يريد في حلوقكم عظام (٨).
وقال أبو علي: الجمع أشبه بما جاء في التنزيل في غير هذا الموضع كقوله (٩) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا [الإسراء: ٤٩] أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً
(٢) قرأ ابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر بن عياش: (عظما فكسونا العظم) واحدًا ليس قبل الميم ألف بفتح العين وإسكان الظاء فيهمها.
وقرأ الباقون: (عظاما فكسونا العظام) بالجمع فيهما، بكسر العين وفتح الظاء وألف بعدها. "السبعة" ص ٤٤٤، "التبصرة" ص ٢٦٩، "التيسير" ص ١٥٨، "النشر" ٢/ ٣٢٨.
(٣) قوله: (على الواحد قال الزجاج): (كررت مرتين في (ظ).
(٤) (قد): ساقطة من (ع).
(٥) في جميع النسخ: وإذا. والتصحيح من المعاني.
(٦) في (ع): (عظما).
(٧) تقدم تخريج هذا الشطر.
(٨) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٨ - ٩.
(٩) في (ظ): (في قوله).
[النازعات: ١١] قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ [يس: ٧٨].
والإفراد لأنه اسم (١) جنس، فأفرد كما أفرد (٢) المصادر (٣) وغيرها من الأجناس نحو: الإنسان والدرهم والشاء والبعير (٤).
قوله: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا قال ابن عباس: يعني نفخ الروح فيه (٥).
وهو قول السدي، ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، والربيع، وأبي العالية (٦)، وابن زيد (٧). واختيار القتيبي (٨).
وقال قتادة: هو نبات الشعر والأسنان (٩). وهو قول الضحاك (١٠).
(٢) في "الحجة": تفرد.
(٣) في (ع): (الهادر).
(٤) "الحجة" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩. وانظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه ٢/ ٨٥ - ٨٦، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص ٤٨٤، "الكشف" لمكي ٢/ ١٢٦.
(٥) رواه الطبري ١٨/ ٩، وذكره السيوطي في "الدر" ٦/ ٩١ وعزاه لابن أبي حاتم.
(٦) في (ظ): (وأبو العالية).
(٧) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٨ ب عنهم سوى السدي والربيع. ورواه الطبري ١٨/ ١٠ عنهم سوى السدي. ذكره ابن كثير في "تفسيره" ٣/ ٢٤١ عن هؤلاء جميعاً.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٩٢ عن مجاهد وعكرمة وأبي العالية، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.
(٨) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٩٦.
(٩) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٤٤، والطبري ١٨/ ١٠ عنه دون قوله: الأسنان. وذكره بهذا اللفظ البغوي في "تفسره" ٥/ ٤١٢.
(١٠) رواه الطبري ١٨/ ١٠. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٩٢ وعزاه لعبد بن حميد.
وروي (١) عن ابن عمر أنه قال: هو استواء الشباب (٢). وهو قوله مجاهد (٣) في بعض الروايات (٤)
وحكى الزجاج قولاً آخر وهو: أن جُعل ذكرًا وأنثى (٥).
واختار صاحب النظم القول الأول، وقال (٦): قوله: ثُمَّ خَلَقْنَا إلى قوله: لَحْمًا قصة واحدة، ثم قال ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ فجاء به على نظم سوى اللفظ الأول الذي درج عليه ما قبله من قوله خلقنا وخلقنا، والإنشاء هو الابتداء، فدل هذا على أنه أراد به نفخ الروح؛ لأنه لا يحتمل أن يكون خلقًا آخر إلا بأن يزول عن كيفيته (٧) الأولى وهي أنه كان لحمًا وعظمًا
(٢) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٨ ب.
(٣) (مجاهد): ساقط من (ع).
(٤) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٨ ب عنه من رواية ابن أبي نجيح وابن جريج. ورواه الطبري ١٨/ ١٠ - ١١ عنه من الطريقين المتقدمين.
وذكره عن مجاهد السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٩٢ وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٩. والقول الذي حكاه الزجاج مروي عن الحسن البصري. ذكره النحاس في "معاني القرآن" ٤/ ٤٤٩، والبغوي في "تفسيره " ٥/ ٤١٢.
قال ابن عطية في "المحرر" ١٠/ ٣٣٦ - بعد أن ذكر الأقوال المتقدمة- وغيرها: وهذا التخصيص كله لا وجه له، وإنما هو عام في هذا وغيره من وجوه النطق والإدراك وحسن المحاولة هو بها آخر، وأول رتبة من كونه آخر هو نفخ الروح فيه، والطرف الآخر هو تحصيله المعقولات إلى أن يموت.
وصحح القرطبي ١٢/ ١١٠ ما ذكره ابن عطية.
(٦) في (ع) زيادة (في) بعد (وقال).
(٧) في (أ)، (ظ): (كيفية).
مواتًا، فلما حصل فيه الروح صار خلقًا آخر، حيوانًا بعد أن كان مواتًا.
قال: وفي هذا دليل على أن الجنين إذا استوى عظمه ولحمه على العظم فقد صار إنسانًا تكون به الأمة أم ولد، والجنين ولدًا (١) إن شاء الله.
قوله: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أي استحق التعظيم والثناء بأنه (٢) لم يزل ولا يزال. والكلام في هذا مما قد (٣) سبق (٤).
قوله: أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ أي: المصورين والمقدرين.
والخلق في اللغة: التقدير. والعرب تقول: قدرت الأديم وخلقته، إذا قسِته (٥) لتقطع منه مزادة أو قربة أو خُفًا (٦) (٧).
وقال مجاهد: وتصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين (٨).
قال الليث: رجل خالق، أي: صانع. وهن الخالقات، للنساء (٩).
وقال مقاتل بن سليمان: يقول: هو أحسن خَلْقًا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها التي لا يتحرك منها شيء (١٠).
(٢) في (أ): (بالله)، وهو خطأ.
(٣) في (ظ)، (ع): (مما سبق).
(٤) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤].
(٥) في "تهذيب اللغة": والعرب تقول: خلقت الأديم، إذا قدرته وقسته.
(٦) في (أ): (وخفا).
(٧) هذا كلام الأزهري في "تهذيب اللغة" ٧/ ٢٦ (خلق).
(٨) رواه الطبري ٨/ ١١.
(٩) قول الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري ٧/ ٢٧ (خلق). وفي "العين" ٤/ ١٥١ (خلق) والخالق: الصانع. وليس فيه وهن الخالقات للنساء. وإنما فيه. وامرأة خليقة: ذات جسم وخلق.
(١٠) "تفسير مقاتل" ٢/ ٢٩ ب.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي