ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

ثم يقول الحق سبحانه١ :
ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ( ٧٦ ) :
استكان فلان لا تقال إلا لمن كان متحركا حركة شريرة، ثم هدأ وسكن، نقول : فلان ( انكن ) أو استكان وأصلها ( كون ) فالمعنى : طلب وجودا جديدا غير الوجود الذي كان عليه، أو حالا غير الحال الذي كان عليه أولا، فقبل أن يستكين ويخضع كان لا بد متمردا على ربه.
والوجود نوعان : وجود أولي مطلق، ووجود ثان بعد الوجود الأولي، كما نقول مثلا : ولد زيد يعني وجد زيد وجودا أوليا، إنما على أي هيئة وجد ؟ جميلا، قبيحا.. هذه تحتاج إلى وجود آخر، تقول : كان زيد هكذا فعل وفاعل لا يحتاج إلى إخبار آخر لأنها للوجود الأول، لكن حين نقول : كان زيد مجتهدا، فهذا هو الوجود الثاني وهو الاجتهاد، وهو وجود ناتج عن الوجود الأول.
فكان الأولى هي كان التامة التي وردت في قوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة.. ( ٢٨٠ ) [ البقرة ] : أي : وجد ذو عسرة، ولا تحتاج في هذه الحالة إلى خبر.
ونقول : تمنى فلان على الله أن يوجد له ولد، فكان محمد، يعني : وجد. أما كان الناقصة فتحتاج إلى خبر، لأن ( كان ) فعل يدل على زمان الماضي، والفعل لا بد أن يدل على زمن وحدث، لذلك لا بد لها من الخبر الذي يعطي الحدث تقول : كان زيد مجتهدا، فجاء الخبر ليكمل الفعل الناقص، فكأنك قلت : زيد مجتهد.
ومعنى فما استكانوا لربهم.. ( ٧٦ ) [ المؤمنون ] : أن خضوعهم واستكانتهم لم تكن لأنفسهم ولا للناس، إنما استكانة لله بأخذ أوامره بمنتهى الخضوع وبمنتهى الطاعة، لكنهم ما فعلوا وما استكانوا، لا في حال الرحمة وكشف الضر، ولا في حال الأخذ والعذاب، وكان عليهم أن يعلموا أن الله غير حاله معهم، ومقتضى ذلك أن يغيروا هم أيضا حالهم مع الله، فيستكينوا لربهم ويخضعوا لأوامره.
وما يتضرعون ( ٧٦ ) [ المؤمنون ] : الضراعة : هي الدعاء والذلة والخضوع لمن أخذ بيدك في شيء، كما جاء في قوله تعالى : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا.. ( ٤٣ ) [ الأنعام ] : يعني : لجئوا إلى الله وتوجهوا إليه بالدعاء والاستغاثة.

١ - سبب نزول الآية: قال ابن عباس: نزلت في قصة ثمامة بن أثال لما أسرته السرية وأسلم وخلى رسول الله (ص) سبيله، حال بين مكة وبين الميرة وقال: والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله (ص)، وأخذ الله قريشا بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز. قيل: وما العلهز؟ قال: كانوا يأخذون الصوف والوبر، فيبلونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه. فقال له أبو سفيان: أنشدك الله والرحم أليس تزعم أن الله بعثك رحمة للعالمين؟ قال: بلى. قال: فوالله ما أراك إلا قتلت الآباء بالسيف، وقتلت الأبناء بالجوع، فنزل قوله ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (٧٥) [المؤمنون] أورده القرطبي في تفسيره (٦/٤٦٧٧) والواحدي في أسباب النزول (ص ١٧٩)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير