قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ( ٣٠ )
٧٧٦- اعلم أني تأملت هذه الآية فوجدت فيها مع قصرها ثلاثة معان عزيزة : تأديب وتنبيه وتهديد.
فأما التأديب : فقوله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ولابد من امتثال أمر السيد والتأدب بأدبه، وإلا فيكون سيء الأدب فيحجب، فلا يؤذن له في حضور المجلس والمثول بالحضرة، فافهم هذه النكتة، وتأمل ما تحتها، فإنها فيها ما فيها.
وأما التنبيه : فقوله تعالى : ذلك أزكى لهم ويطلق على معنيين والله أعلم.
احدهما : إن ذلك أطهر لقلوبهم، الزكاة : الطهارة، والتزكية التطهير.
والثاني : ذلك أنمى لخيرهم وأكثر، والزكاة في الأصل : النمو، فنبه على أن في غض البصر تطهير إلى ما لا يعنيك، فلا يخلو من أن تقع عينك على حرام، فإن تعمدت فذنب وكبيرة، وربما تعلق قلبك بذلك فتهلك إن لم يرحم الله تعالى، فلقد روي أن العبد لينظر النظرة ينغل(١) فيها قلبه كما ينغل الأديم في الدباغ، لا ينتفع فيه أبدا، وإن كان مباحا، فربما يشتغل قلبك به، فجاءك الوسواس والخواطر بسببه، ولعلك لا تصل إليه، فتبقى مشغول القلب منقطعا عن الخير، وإن كنت لم ترد ذلك، فقد كنت مستريحا عن ذلك كله، وفي هذا المعنى ذكر عن عيسى صلوات الله على نبينا وعليه، أنه قال : إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة.
وقال ذو النون : نعم صاحب الشهوات غض الأبصار. ولقد أحسن القائل :
| وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا | لقلبك يوما أتعبك المناظر |
| رأيت الذي لا كله أنت قادر | عليك ولا عن بعضه أنت صابر |
| فإياك والأمر الذي إن توسعت | موارده ضاقت عليك المصادر |
وأما التهديد فقوله تعالى : إن الله خبير بما تصنعون ( منهاج العابدين : ١٣٣-١٣٥ )
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي