ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

قوله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم.... إلى قوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم :
من في هذه ١ الآية يحتمل أن تكون لابتداء الغاية لأن البصر مفتاح القلب ولأجل ذلك خص الأمر بغضه. ويحتمل أن تكون للتبعيض وهو الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، وذلك أن الإنسان لا يملك أول نظرة وإنما يؤمر بالغض فيما بعد ذلك، فلم يغض إذن بصره جملة إنما غض منه. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا وهو قوله لعلي بن أبي طالب : " لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة " ٢الحديث. وقال جرير بن عبد الله البجلي ٣ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال : " اصرف بصرك " ٤ ويحتمل أن تكون من لبيان الجنس كأنه قال : غضب، احتمل أن يريد من يدك أو لسانك أو من كذا أو من كذا وأتى بمن لتبين الجنس المنهي عنه. وكيفما كان فقد حصل بهذه الآية الأمر بغض البصر وحفظ الفرج ولم يبين تعالى الأشياء التي يغض عنها البصر والأشياء التي يغض منها الفرج، ومعلوم بالعادة أن المراد بها المحرم دون المحلل. والأمر في ذلك على الوجوب. فمن الأشياء التي يجب غض البصر عنها باتفاق العورات وما تخشى الفتنة منه وإن لم تكن عورة كالنظر إلى وجه المرأة، وقد صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل ٥ عن الخثعمية. وما جرت به العادة بأن يكتمه الناس بعضهم عن بعض كالنظر في كتاب الرجل بغير إذن، وقد ورد فيه نهي، والنظر إلى ما عدا هذه الأشياء مباح. وقد يباح أيضا النظر إلى الأشياء الممنوعة لوجوه وأمور يقتضيها كالنظر إلى المرأة الشابة والغلام عند الشهادة ونحو ذلك، وكالنظر إلى العورة في بعض الأحوال وعند بعض العلماء. وقد اختلف إذا أراد نكاح المرأة هل يجوز أن يقتبلها النظر من الكوة ؟ فكره ذلك مالك ولم يبحه ومن حجته عموم هذه الآية، وحكى عبد الوهاب عن مالك الجواز. وأجاز ذلك ابن وهب وغيره للآثار المروية في ذلك، من ذلك٦ حديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا خطب أحدكم المرأة فقدر على أن يرى منها ما يعجبه فليفعل " قال جابر : فلقد خطبت امرأة من بني سلمة وكنت أتخبأ لها في أصول النخل حتى رأيت منها بعض ما يعجبني، فخطبتها فزوجتها ٧ وقال عليه الصلاة والسلام : " انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " ٨. وإذا قلنا بجواز ذلك. فقال مالك لا ينظر إلا إلى الوجه والكفين. وأجاز بعضهم النظر إلى جميع البدن ما عدا السوأتين وأبا أبو حنيفة النظر إلى ظهور القدمين وذكر بعضهم أن مالك يشترط إذن المرأة في ذلك. وقال الشافعي لا يحتاج إلى إذنها. ومن الناس من منع النظر جملة. واختلف أيضا في النظر إلى ما عدا الفرج من الأمة عند الشراء على قولين : أحدهما : أنه يجوز، والثاني : أنه لا ينظر منها عند الشراء ٩ إلا إلى كفيها ووجهها، وعموم الآية حجة لهذا القول، وعلى هذا اختلف فيما تستره الأمة في الصلاة من جسدها، فقيل هي كالرجل عورتها من السرة إلى الركبة خاصة وقيل هي كالحرة في ذلك.
– قوله تعالى : ويحفظوا فروجهم :
فيه تأويلان أحدهما : أن يريد ترك الزنا. والثاني : أن يريد ستر العورة. والأحسن في هذا أن يقال إن اللفظ عام لهما فيحمل على عمومه. واختلف في نظر الرجل إلى فرج زوجته وأمته ونظر المرأة إلى فرج زوجها وسيدها. ففي المذهب الجواز، وللشافعي قولان : أحدهما أنه لا يجوز ومن حجته عموم الآية. وحجة القول الأول أن الآية إنما وردت في النظر إلى ما حرم على الرجل وأما ما أحل له – وإن كان عورة – فلا. وبهذه الآية حرم ١٠ العلماء دخول الحمام بغير مئزر أو بمئزر مع من يدخله بغير مئزر. وأما دخوله للرجال – إذا لم يدخله أحد منهم إلا بمئزر – ففيه قولان. الجواز، وروي عن مالك في جامع العتبية أنه قال : لا بأس بذلك ولا حرج فيه. والكراهة، وروي عن مالك في الوضوء في العتبية أنه سئل عن الغسل بالماء السخن من الحمام فقال : والله ما دخوله عندي بصواب فكيف يغسل بذلك الماء ؟. فوجه الجواز أن العورة فيه مستورة فليس ثم ما يؤمر الإنسان بغض البصر عنه. ووجه الكراهة مخافة التطلع على العورة. وأما دخول النساء مستترات الحمام فاختلف فيه. ففي المختصر منعهن إياه جملة. وقيل يمنعن إلا لعلة من مرض أو غسل من حيض أو نفاس أو شدة برد وما أشبه ذلك. إنما منعهن ذلك لما لم يكن ثم حمامات منفردة، فأما اليوم مع إفرادهن فلا يمنعن. ويأتي على هذا القول الاختلاف في دخولهن بالجواز والكراهة بأنهن في ذلك بمنزلة الرجال فيتحصل فيهن أربعة أقوال. ووجه الجواز أنهن مستترات. فارتفع موضع النهي بقوله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن . وقوله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن أمر للنساء بغض البصر كما أمر الرجال به. والكلام في هذه الآية كالكلام في الآية التي قبلها ١١. إلا أنه اختلف هل بدن المرأة عورة مستورة عن المرأة كما هو عن الرجل أم لا ؟ فذهب عبد الوهاب إلى أنه كذلك، وعلى هذا يتركب القول بمنعهن دخول الحمام. وذهب غيره إلى أنه ليس كذلك وأنه يجوز للمرأة أن تنظر من المرأة إلى ما لا يجوز للرجل أن ينظر من الرجل بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب " ١٢. وإذا كان كذلك فليست المرأة مأمورة بغض البصر عن بدن المرأة وإنما هي مأمورة بالغض عن عورتها والرجل مأمور بالغض عن بدن المرأة لأنها عورة له. فعلى هذا ينبغي أن تحمل الآيتان. وقد اختلف في العيب إذا كان بالحرة في غير الفرج هل يبقر عنه الثوب فينظر إليه الرجال أو ينظر إليه النساء، على قولين. حجة المنع ظاهر قوله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم واختلف أيضا في بدن الرجل هل هو عورة على المرأة أم لا على قولين. فعلى القول بأنه عورة فالآية مشتملة على أمرهن بغض البصر عنه. وأما بدن الرجل على الرجل فليس بعورة ولذلك لم يقل أحد بمنعهم من الحمام إذا دخلوه بالمئزر. وأما رؤية المرأة الرجال من غير نظر إلى عورة فمباح كما قلنا في نظر الرجال إلى النساء إلا أن يخاف الفتنة عليهن. والدليل على ذلك حديث عائشة في نظرها إلى الحبشة وهم يلعبون بالحراب بالمسجد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس ١٣ :" اعتري عند ابن أم مكتوم ١٤ فإنه رجل أعمى تضعين عنده ثيابك " ١٥ إلا أنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعارض ذلك ويدل على أنه لا يجوز نظر المرأة إلى الرجل. وهو حديث أم سلمة قالت : كنت أنا وعائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم فدخل ابن أم مكتوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " احتجبا منه " فقلنا إنه أعمى. فقال : " أفعمياوان أنتما " ١٦ وقد تأوله قوم على أنه مخصوص في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.

١ "هذه" كلمة ساقطة في غير (أ)، (ز)..
٢ الحديث أخرجه الترمذي في سننه عن ابن بريدة، كتاب الأدب، باب: ما جاء في نظرة الفجأة ٥/ ١٠١..
٣ جرير بن عبد الله البجلي، صحابي. كان جميلا، قال عمر: هو يوسف هذه الأمة. وقدمه عمر في حروب العراق. توفي سنة ٥١هـ/ ٦٤١م. انظر خزانة الأدب للبغدادي ٣/ ٣٩٧..
٤ الحديث أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الأدب، باب: ما جاء في نظرة الفجأة ٥/ ١٠١..
٥ الفضل: هو الفضل بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم. كان أبوه من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام. انظر الإصابة ٢/ ٣٤٠..
٦ "من ذلك" كلام ساقط في (د)..
٧ الحديث أخرجه أبو داود ي سننه، كتاب النكاح، باب: في الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها ٢/ ٢٦٥. وأحمد في مسنده عن جابر ٣/ ٣٣٤..
٨ الحديث أخرجه الترمذي في سننه، كتاب النكاح، باب: ما جاء في النظر إلى المخطوبة ٣/ ٣٩٧..
٩ "عند الشراء" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
١٠ في (أ)، (ز): "منع"..
١١ راجع حكم دخول الحمام في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٢٤، ٢٢٥..
١٢ الحديث أخرجه أبو دود عن أبي سعيد الخدري، كتاب الحمام، باب: ما جاء في التعري ٤/ ٣٠٥..
١٣ فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية أخت الضحاك. توفيت نحو سنة ٨٠هـ/ ٦٧٠م. انظر التهذيب ١٢/ ٤٤٣..
١٤ ابن أم مكتوم: انظر ترجمته ص ١٥٥..
١٥ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سلمة، كتاب الطلاب، باب: المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ٢/ ١١١٥..
١٦ الحديث أخرجه الترمذي في سننه عن نبهان مولى أم سلمة، كتاب الأدب، باب: ما جاء في احتجاب النساء من الرجال ٥/ ١٠٢..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير