٣٤٤- قال الشافعي : قال الله تعالى : وَأَنكِحُوا اَلاَيَامى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمُ .
قال الشافعي رحمه الله تعالى : فدلت أحكام الله تعالى ثم رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا ملك للأولياء آباء كانوا أو غيرهم على أياماهم، وأياماهم : الثيبات. قال الله تعالى ذكره : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَّنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ١ وقال في المعتدات : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ ٢ الآية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها »٣ مع ما سوى ذلك.
ودل الكتاب والسنة على أن المماليك لمن ملكهم، وأنهم لا يملكون من أنفسهم شيئا، ولم أعلم دليلا على إيجاب إنكاح صالحي العبيد والإماء، كما وجدت الدلالة على إنكاح الحر إلا مطلقا.
فأحب إلي أن ينكح من بلغ من العبيد والإماء، ثم صالحوهم خاصة، ولا يتبين لي أن يجبر أحد عليه، لأن الآية محتملة أن يكون أريد به الدلالة لا الإيجاب. ( الأم : ٥/٤١. ون أحكام الشافعي : ١/١٧٥-١٧٦. )
ــــــــــــ
٣٤٥- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى : وَأَنكِحُوا اَلاَيَامى مِنكُمْ إلى قوله : يُغْنِهِمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ ٤.
قال الشافعي رحمه الله : والأمر في الكتاب والسنة وكلام الناس يحتمل معاني : أحدها : أن يكون الله عز وجل حرم شيئا ثم أباحه، فكان أمره إحلال ما حرم كقول الله عز وجل : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ ٥ وكقوله : فَإِذَا قُضِيَتِ اِلصَّلَواةُ فَانتَشِرُوا فِى اِلاَرْضِ ٦ الآية.
قال الشافعي رحمه الله : وذلك أنه حرم الصيد على المحرم، ونهى عن البيع عند النداء، ثم أباحها في وقت غير الذي حرمها فيه، كقوله : وَءَاتُوا اَلنِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً إلى :
مَّرِيئًا ٧ وقوله : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٨.
قال الشافعي : وأشباه لهذا كثير في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ليس أن حتما أن يصطادوا إذا حلقوا، ولا ينتشروا لطلب التجارة إذا صلوا، ويأكل من صداق امرأته إذا طابت عنه به نفسا، ولا يأكل من بدنته إذا نحرها.
قال : ويحتمل أن يكون دلهم على ما فيه رشدهم بالنكاح لقوله عز وجل : إِنْ يَّكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ ٩ يدل على ما فيه سبب الغنى والعفاف، كقول النبي صلى الله عليه وسلم :« سافروا تصحوا وترزقوا »١٠ فإنما هذا دلالة لا حَتْمٌ أن يسافر لطلب صحة ورزق.
قال الشافعي : ويحتمل أن يكون الأمر بالنكاح حتما، وفي كل الحتم من الله الرشد فيجمع الحتم والرشد. وقال بعض أهل العلم : الأمر كله على الإباحة والرشد حتى توجد الدلالة من الكتاب أو السنة أو الإجماع على أنه إنما أريد بالأمر : الحتم، فيكون فرضا لا يحل تركه، كقول الله عز وجل : وَأَقِيمُوا اَلصَّلَواةَ وَءَاتُوا اَلزَّكَواةَ ١١ فدل على أنهما حتم، وكقوله : خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ١٢ وقوله : وَأَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ ١٣ وقوله : وَلِلهِ عَلَى اَلنَّاسِ حَجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ١٤ فذكر الحج والعمرة معا في الأمر، وأفرد الحج في الفرض، فلم يقل أكثر أهل العلم : العمرة على الحتم، وإن كنا نحب أن لا يدعها مسلم. وأشباه هذا في كتاب الله عز وجل كثير.
قال الشافعي : وما نهى الله عنه فهو محرم حتى توجد الدلالة عليه بأن النهي عنه على غير التحريم، وأنه إنما أريد به الإرشاد أو تنزها أو أدبا للمنهي عنه، وما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أيضا.
قال الشافعي رحمه الله : ومن قال : الأمر على غير الحتم حتى تأتي دلالة على أنه حتم، انبغى أن تكون الدلالة على ما وصفت من الفرق بين الأمر والنهي وما وصفنا في مبتدا كتاب الله القرآن والسنة وأشباه لذلك سكتنا عنه اكتفاء بما ذكرنا عما لم نذكر.
أخبرنا سفيان، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« ذروني ما تركتكم فإنه إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فما أمرتكم به من أمر فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فانتهوا »١٥.
أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل معناه١٦.
قال الشافعي رحمه الله : وقد يحتمل أن يكون الأمر في معنى النهي فيكونان لازمين إلا بدلالة أنهما غير لازمين ويكون قول النبي صلى الله عليه وسلم « فائتوا منه ما استطعتم » أن يقول : عليهم إتيان الأمر فيما استطعتم لأن الناس إنما كلفوا ما استطاعوا في الفعل استطاعة شيء لأنه شيء متكلف وأما النهي فالترك لكل ما أراد تركه يستطيع لأنه ليس بتكلف شيء يحدث إنما هو شيء يكف عنه.
قال الشافعي رحمه الله تعالى : وعلى أهل العلم عند تلاوة الكتاب ومعرفة السنة طلب الدلائل ليفرقوا بين الحتم والمباح والإرشاد الذي ليس بحتم في الأمر والنهي معا. ( الأم : ٥/١٤٢-١٤٣. ون مناقب الشافعي : ١/٣٨١-٣٨٢. )
٢ - البقرة: ٢٣٤..
٣ - رواه مسلم عن ابن عباس في النكاح (١٦) باب: استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت (٩)(ر١٤٢١).
ورواه أصحاب السنن في النكاح.
ورواه أحمد، والدارمي، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٠٣٦)..
٤ - النور: ٣٢..
٥ - المائدة: ٢..
٦ - الجمعة: ١٠..
٧ - النساء: ٤..
٨ - الحج: ٣٦..
٩ - النور: ٣٢..
١٠ - لم أقف عليه بهذا اللفظ. ورواه أحمد في مسند أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « سافروا تصحوا واغزوا تستغنوا » قال شاكر: إسناده حسن.
ورواه البيهقي في كتاب النكاح باب: قول الله تعالى وَأَنكِحُوا اَلاَيَامى مِنكُمْ . ٧/١٠٢ عن ابن عمر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « سافروا تصحوا وتغنموا »..
١١ - البقرة: ٤٣..
١٢ - التوبة: ١٠٣..
١٣ - البقرة: ١٩٦..
١٤ - آل عمران: ٩٧..
١٥ - رواه مسلم في الحج (١٥) باب: فرض الحج مرة في العمر (٧٣)(ر١٣٣٧).
ورواه أحمد في مسند أبي هريرة. ورواه الشافعي في المسند (ر٢٤٢٥).
ورواه البيهقي في كتاب النكاح باب: قول الله تعالى: وَأَنكِحُوا اَلاَيَامى مِنكُمْ ٧/١٠٣..
١٦ - رواه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة (٩٩) باب: الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢)(ر٦٨٥٨) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « دعوني ما تركتم... » الحديث..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي