( وأنكحوا الأيمان منكم( لما نهى الله تعالى عما يفضي إلى السفاح غالبا أمر بالنكاح فإنه أغض للبصر وأمنع منم السفاح فقال وأنكحوا أيها الأولياء والسادة الأيامى منكم، والأيامى جمع أيم مقلوب أيايم كيتامى أصلح يتايم وهو من لا زوج له رجلا كان أو امرأة ( والصالحين من عبادكم وإمائكم( وهذا أمر استحباب وتخصيص الصالحين بالذكر ليس للاحتراز بل لأن إحصان دينهم والاهتمام بشأنهم أهم وقيل : المراد به الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه.
مسألة : النكاح واجب عند غلبة الشهوة إذا خاف الوقوع في الحرام وفي النهاية إن كان له خوف وقوع الزنى بحيث لا يتمكن من التحرز عنه كان فرضا، قال ابن همام ليس الخوف مطلقا يستلزم بلوغه إلى عدم التمكن فليكن عند ذلك فرضا وإلا فواجب ما لم يعارضه خوف الجور فإن عارضه خوف الجور كره، وأيضا قال ابن همام أنه ينبغي تفصيل خوف الجور كتفصيل خوف الزنى فإن بلغ ما افترض فيه النكاح حرم وإلا كره كراهة تحريم وفي البدائع قيد الافتراض في التوقان بملك المهر والنفقة فإن من تقات نفسه بحيث يتزوج يأثم، وأما في حالة الاعتدال فقال داود وأمثاله من أهل الظواهر أنه فرض عين على الرجل والمرأة في العمر مرة إن كان قادرا على الوطىء والإنفاق لقوله تعالى :( فأنكحوا ما طاب لكم من النساء( ١ ( وأنكحوا الأيامى منكم( وحديث سمرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل " ٢ رواه الترمذي وابن ماجة، وقوله صلى الله عليه وسلم لعكاف : هل لك زوجة ؟ قال : لا، قال : ولا جارية ؟ قال : لا، قال : وأنت موسر بخير ؟ قال : وأنا موسر، قال :" أنت إذن من إخوان الشياطين " ٣ وقال رسول صلى الله عليه وسلم " إن سنتنا النكاح شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم أبا الشياطين يحرسون " رواه أحمد، وقد مر هذا الحديث وحديث أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول :" تزوجوا الودود الولود إني مكاثر بكم الأتقياء يوم القيامة " ٤ رواه أحمد وأبو داود والنسائي ونحوه في سورة النساء في تفسير قوله تعالى :( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم( ٥ وقال بعض الحنفية واجب على الكفاية وأدلة الوجوب على الكل لا ينفي كونه على الكفاية والمعرف لكونه يسقط بفعل البعض عن الباقين أن سبب شرعيته إبقاء المسلمين وعدم انقطاعهم وذلك يحصل بفعل البعض والإجماع على عدم كونه فرضا على الأعيان، ولا عبرة بقول داود وأمثاله وقيل واجب على الكفاية لأن قوله :( فانكحوا ما طاب لكم( مسوق لبيان العدد، وهذه الآية خطاب للأولياء موجب لعدم مما نعتهم إذا أراد الأيامى النكاح وأحاديث الآحاد لا توجب الفرضية وقيل : سنة مؤكدة وقيل : مستحب إذا كان قادرا على الوطىء والإنفاق ولا يخاف الجور وإلا فهو حرام أو مكروه، وجه كونه سنة فعله صلى الله عليه وسلم وقوله :" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء " ٦ متفق عليه، من حديث ابن مسعود وما روى ابن ماجة من حديث عائشة " النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ومن كان ذا طول فلينكح ومن لم يجد فعليه بالصوم " ٧ في إسناده عيسى بن ميمون ضعيف وفي الصحيحين من حديث أنس " اكني أصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " ٨ وروى الترمذي عن أبي أيوب " أربع من سنن المرسلين الحياء والتعطر والسواك والنكاح " ٩ وروى ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر " ١٠ ما ذكرنا كله بمذهب علماء الحنفية رحمهم الله تعالى وبه قال أحمد.
وقال الشافعي : النكاح مستحب على كل حال إن كان قادرا على الوطىء والإنفاق ولا يخاف الجور لكن تركه لأجل الانقطاع للعبادة أفضل وإن خاف الجوار أو لم يكن قادرا على الإنفاق أو الوطىء فعليه حرام أو مكروه وفي حالة التوقان وخوف الوقوع في الحرام يتأكد في حقه ويكون أفضل من نوافل الصلاة والصوم والجهاد والحج وبه قال مالك، فحاصل كلام الفريقين أنه من خاف أن لا يقدر على أداء حقوق النكاح أو وقع بالنكاح في أمر حرام فالنكاح في حقه مكروه أو حرام، ومن كان تائقا يخاف على نفسه الزنى إن لم ينكح وهو قادر على أداء حقوق النكاح فالنكاح في حقه واجب على ما قال أبو حنيفة ومتأكد على ما قال الشافعي قلت : لا أشك في أن ضد الحرام يعني الزنى واجب فلا بد من القول بالوجوب عند خوف الزنى بقي الكلام في أنه من كان في حالة الاعتدال لا يخاف على نفسه إن لم ينكح ولا يخاف الجور وهو قادر على أداء حقوق النكاح فالنكاح في حقه وإن كان مستحبا سنة لكن ترك النكاح لأجل التخلي للعبادة في حقه أفضل ؟ أم النكاح أفضل ؟ قال أبو حنيفة النكاح أفضل من التبتل والتخلي للعبادة وقال الشافعي التخلي والتبتل أفضل وجه قول الشافعي إن الله سبحانه مدح يحيى بن زكريا عليهما السلام بعدم إتيان النساء مع القدرة عليه حيث قال :( وسيدا وحصورا( ١١ أيضا وهذا معنى الحصور، وقال ابن همام في جوابه إن حال يحيى ذلك كان أفضل في شريعتهم وقد نسخت الرهبانية في شريعتنا وإذا تعارض حال يحيى بحال نبينا صلى الله عليه وسلم وجب تقديم حال النبي صلى الله عليه وسلم ألا ترى أن حال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوفاة كان النكاح ومحال أن يقر الله تعالى أفضل أنبيائه على ترك الأفضل مدة حياته روى الشيخان في الصحيحين أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواجه عن عمله في السر فقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم : لا أنام على فراش فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأنثى عليه وقال : ما بال أقوام قالوا كذا ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " وروى البخاري عن ابن عباس أنه قال :" تزوجوا فإن خير هذه الأمة كان أكثرهم نساء " يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقد مر نهيه صلى الله عليه وسلم عن التبتل نهيا شديدا.
وتحقيق المقام عندي أن من رأى من نفسه أن النكاح واشتغاله بأمر الأهل والعيال لا يمنعه عن الإكثار في الذكر والانقطاع إلى الله من غيره وتعمير الأوقات بالطاعات فالنكاح في حقه أفضل من تركه وكان هذا شان رسول الله والصحابة وكثير من الأنبياء والصالحين من عباد الله وكيف لا يكون أفضل فإن مجاهدته أشد وأكثر من مجاهدة العزب فإن القيام على العبادة مع الموانع أكثر ثوابا منه مع عدم الموانع ومن اجل ذلك كان خواص البشر أفضل من خواص الملائكة وعوامهم أفضل من عوامهم ومن رأى من نفسه ضعفا ورأى أن النكاح واشتغاله بأمور الأهل والعيال يمنعه من الإكثار في الذكر والانقطاع إلى الله وتعمير الأوقات ولا يخاف من نفسه الوقوع في الزنى فترك النكاح في حقه أفضل قال الله تعالى :( يأيها الذين ءامنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون( ١٢ وقال الله تعالى :( قل إن كان ءاباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره( ١٣ وقال الله تعالى :( يأيها الذين ءامنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم( ١٤ وكيف يكون النكاح أفضل من الاشتغال بعبادات الله النافلة مع أن النكاح في نفسه أمر مباح ليس بعبادة لكان الإسلام شرطا لإتيانها كما هو شرط لسائر العبادات وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " ١٥ متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ولو كان النكاح في نفسه عبادة لكانت الهجرة لأجل النكاح هجرة لله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حبب غلي من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة " ١٦ رواه ىالنسائي وكذا رواه الطبراني وإسناده حسن وهو صريح في أن النكاح من الأمور الدنيوية المباحة كالطيب وتسميته سنة في قوله صلى الله عليه وسلم " أربع من سنن المرسلين النكاح والتعطر " الحديث بمعنى كونه سنة زائدة من السنن العادية لا انه من سنن الهدى فإن سنة الهدى ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل العبادة لا يقال أن قوله صلى الله عليه وسلم " من رغب عن سنتي فليس مني " يدل على كونه من سنن الهدى لأنا نقول لا يدل هذا على ذلك لأن الرغبة عما فعله النبي صلى الله عليه وسلم واستحسنه قبيح يوجب الإنكار والعتاب لكن تركه لا يوجب العتاب كما يوجب ترك سنة الهدى، فإن قيل ورد في الحديث " حبب إلي من الدنيا ثلاثة الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة " فهذا اللفظ يدل على كون الصلاة أيضا نمن الأمور الدنيوية ؟ قلنا : قال الحافظ ابن حجر لم نجد لفظة ثلاث في شيء من الطرق المسندة وحديث " الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة " ١٧ رواه مسلم عن عمرو بن العاص مرفوعا وهذا أيضا يدل على كون النكاح من الأمور الدنيوية المباحة فكل أمر وقع في باب النكاح في الكتاب أو السنة محمول على الإباحة أو الاستحباب وأما حديث عكاف : أنت إذن من إخوان الشياطين " واقعة حال محمول على حالة شدة التوقان وخوف الفتنة، ثم النكاح يكون عبادة باقتران النية بأن يريد كثرة أهل الإسلام وغض البصر ونحو ذلك، وهذا شيء غير مختص بالنكاح بل الأكل والشرب والبيع والشراء والإجارة وسائر المعاملات المباحة كلها مع اقتران حسن النية تصير عبادات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " طلب الحلال فريضة بعد الفريضة " رواه الطبراني والبيهقي عن ابن مسعود ورواه الطبراني عن أنس بن مالك بلفظ " طلب الحلال واجب على كل مسلم " وكما أن النكاح فرض على الكفاية لبقاء النسل كذلك الأكل والشرب بقدر ما يسد الرمق فرض عين والتجارة وسائر أنواع الحرف فرض على الكفاية أيضا لو تركها الناس أجمعون أختل أمر معاشهم ومعادهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " التاجر الصدوق الأمين مع النبيئين والصديقين والشهداء " ١٨ رواه الترمذي عن أبي سعيد الخذري وحسنه ورواه ابن ماجة من حديث ابن عمر والبغوي في شرح السنة عن أنس نحوه، لكن حسن تلك الأشياء إنما هو بالغير وأما حسن الذكر والانقطاع إلى الله فإنما هو بذواتهما فأين هذا من ذاك عن أبي هريرة قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله سبحانه :" لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنكاح أو بالأكل والشرب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن أسبح بحمد ربك وكن من الساجدين " رواه البغوي في تفسير سورة الحجر.
وما قيل في جواب حال يحيى أنه كان أفضل في شريعتهم وقد نسخت الرهبانية في شريعتنا فليس بشيء بل النكاح كان أفضل من العزوبة في كل دين كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم " أربع من سنن المرسلين وعد منها النكاح " وقد كان آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب يوسف وموسى وهارون وأيوب وسليمان وزكريا كلهم كانوا متزوجين وكانو أفضل من يحيى عليه السلام فلعل يحيى عليه السلام رأى التزوج في حقه مخلا ببعض أمور أفضل منه، وأيضا كون الرهبانية مشروعة في دين عيسى ويحيى ومنسوخ
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: النكاح، باب: ما جاء في النهي عن التبتل (١٠٧٦) وأخرجه ابن ماجة في كتاب: النكاح، باب: النهي عن التبتل (١٨٤٩)..
٣ رواه أحمد وفيه راو لم يسم وبقية رجاله ثقات.
انظر مجمع الزوائد في كتاب: النكاح، باب: الحث على النكاح وما جاء في ذلك (٧٢٩٧)..
٤ أخرجه أبو داود في كتاب: النكاح، باب: النهي عن تزويج من لم يلد من النساء (٢٠٥١) واخرجه النسائي في كتاب: النكاح، باب: كراهية تزويج العقي (٣٢١٧)..
٥ سورة النساء الآية: ٣..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: من لم يستطع الباء فليصم (٥٠٦٦) واخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة واشتغال من عجز عن المؤمن بالصوم (١٤٠٠)..
٧ أخرجه ابن ماجة في كتاب: النكاح، باب: ما جاء في فضل النكاح (١٨٤٦)..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: الترغيب في النكاح (٥٠٦٣) وأخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة (١٤٠١)..
٩ أخرجه الترمذي في كتاب: النكاح، باب: ما جاء في فضل التزويج والحث عليه (١٠٨٤)..
١٠ أخرجه ابن ماجة في كتاب: النكاح، باب: تزويج الحرائر والولود (١٨٦٢) وإسناده ضعيف..
١١ سورة آل عمران الآية: ٣٩..
١٢ سورة المنافقون الآية: ٩..
١٣ سورة التوبة الآية: ٢٤..
١٤ سورة التغابن الآية: ١٤..
١٥ أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: من هاجر أو عمل خيرا لتزويج امراة فله ما نوى (٥٠٧٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات"..
١٦ اخرجه النسائي في كتاب: عشرة النساء باب: حب النساء (٣٩٣٩)..
١٧ أخرجه مسلم في كتاب: الرضاعن باب: خير متاع الدنيا المرأة الصالحة (١٤٦٧)..
١٨ أخرجه الترمذي في كتاب: البيوت، باب: ما جاء في التجار وتسمية النبي صلى الله عليه وسلم إياهم (١٢٠٦)..
التفسير المظهري
المظهري