المفسرين: قد علم الله تعالى أن من النساء من تكون حمقاء، فتحرك رجلها ليعلم أن لها خلخالاً، فنهي النساء أن يفعلن، كما تفعل الحمقاء.
ثم قال: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً، يعني: من جميع ما وقع التقصير من الأوامر والنواهي التي ذكر من أول السورة إلى هاهنا، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، يعني: أيها المصدقون بالله ورسوله.
وفي هذه الآية دليل: أن الذنب لا يخرج العبد من الإيمان، لأنه أمر بالتوبة، والتوبة لا تكون إلا من الذنب، ولم يفصل بين الكبائر وغيرها، فقال بعد ما أمر بالتوبة أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، سماهم مؤمنين بعد الذنب. ثم قال: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، أي تنجون من العذاب. قرأ ابن عامر أَيُّهَ بضم الهاء، وكذلك في قوله: يا أيّه السّاحر، وأيّه الثقلان، وقرأ الباقون بالنصب.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٢ الى ٣٤]
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)
قوله عز وجل: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ، والأيَامَى: الرجال والنساء الذين لا أزواج لهم يقال: رجل أيم وامرأة أيم، كما يقال: رجل بكر وامرأة بكر، ويقال: الأيم من النساء خاصة كل امرأة لا زوج لها، فهي أيم. فأمر الأولياء بأن يزوجوا النساء، وأمر الموالي بأن يزوجوا العبيد والإماء إذا احتاجوا إلى ذلك، فقال للأولياء: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ، يعني: من قومكم ومن عشيرتكم. ثم قال للموالي: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ، يعني: من عبيدكم زوجوهم امرأة، وهذا أمر استحباب وليس بحتم، وَإِمائِكُمْ يعني: زوجوا إماءكم لكيلا يقعن في الزنى. إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يعني: يرزقهم الله من فضله وسعته.
وقال بعضهم: هذا منصرف إلى الحرائر خاصة دون العبيد والإماء، وقال بعضهم: انصرف إلى جميع ما سبق ذكرهم من الأحرار والمماليك يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه، والغنى على وجهين: غني بالمال وهو أضعف الحالين، وغنى بالقناعة وهو أقوى الحالين. كما روي في الخبر: «الغنى غنى النفس». وروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أنْكِحُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَكُمْ بِالْمَالِ». وقال عمر رضي الله عنه: «ابتغوا الغنى في النكاح». ثم قرأ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. وروي عن جعفر بن محمد أن رجلاً شكا إليه الفقر، فأمره أن يتزوج، فتزوج الرجل، ثم جاء فشكا إليه الفقر، «فأمره بأن يطلقها، فسأل عن ذلك، فقال: قلت لعله من
أهل هذه الآية إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. فلما لم يكن من أهلها، قلت لعله من أهل آية أخرى» وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء: ١٣٠].
ثم قال: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، أي واسع الفضل، ويقال: واسِعٌ أي موسع في الرزق، يوسع على من يشاء عَلِيمٌ بقدر ما يحتاج إليه كل واحد منهم.
ثم أخبر أنه لا رخصة لمن لم يجد النكاح في الزنى، وأمر بالتعفف للذي لا امرأة له، فقال عز وجل: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ، يعني: ليحفظ نفسه عن الحرام الذين لا يَجِدُونَ نِكاحاً، يعني: سعة بالنكاح: المهر والنفقة ويقال: يعني، امرأة موافقة، حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه بالنكاح. وقد قيل: إنَّ الصبر والطلب خير من الغارة والهرب.
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ- أي يطلبون الكتابة «١» -- قال ابن عباس: وذلك أن مملوكاً لحُويطب يقال له صبيح، سأل مولاه أن يكاتبه، فأبى عليه، فنزلت الآية وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ يعني: يطلبون الكتابة «٢» - مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً، يعني: حرفة. قال مجاهد وعطاء، يعني: مالاً. وروي، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني قال: أدَباً وصلاحاً، وقال إبراهيم: يعني: وفاءً وصدقاً. وروى يحيى بن أبي كثير، قال: إن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً، أي حِرْفَةً وَلا تُرْسِلُوهُمْ كَلاًّ عَلَى النَّاسِ». وقال ابن عباس: «الخير المال»، كقوله إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة: ١٨٠] يعني: مالاً، وقيل: خَيْراً، يعني: صلاحاً في دينه، لكيلا يقع في الفساد بعد العتق، وهذا أمر استحباب لا إيجاب. وقال بعضهم: هو واجب. وروى معمر، عن قتادة قال: سأل سيرين أبو محمد بن سيرين، أنس بن مالك بأن يكاتبهُ، فأبى أنس بن مالك، فرفع عليه عمر الدرة وتلا هذه الآية: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً.
ثم قال: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ، يعني: أعطاكم، يعني: يحطّه من الكتاب شيئاً، ويقال: يعطى من بيت المال، حتى يؤدي كتابه. وقال عمر وعلي رضي الله عنهما:
«يترك له ربع الكتابة»، وقال قتادة: «يترك له العشر»، وقال إبراهيم: حثّ المولى وغيره بأن يعينوه، هذا أمر استحباب وليس بواجب، وقال بعضهم: الحط واجب، والأول أصحّ.
ثمّ قال: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ، يعني: لا تكرهوا الإماء على الزنى. وقال عكرمة: كانت جارية لعبد الله بن أبيّ، يقال لها: معاذة، وكان يكلفها الخراج عن الزنى، فنزل: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً يعني: تعففاً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: لتطلبوا بكسبهن وولدهن المال. وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ، يعني: يجبرهن على
(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب».
بحر العلوم
أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي