ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙ

ثم يقول رب العزة سبحانه :
ألم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق (١) يخرج من خلا له وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا(٢) برقه يذهب بالأبصار ٤٣ :
قوله تعالى : ألم تر... ٤٣ ( النور ) : يعني : ألم تعلم، وقد وقفنا مع تطور العلم على كيفية تكون المطر بين التبخير والتكثيف الذي يكون السحاب، وقلنا سابقا : إن مسطح الماء على الأرض ثلاثة أرباع اليابسة حتى تكفي هذه المساحة البخر اللازم لتكون المطر، ونحن نجرى مثل هذه العملية في تقطير الماء حين نغلى الماء ونستقبل البخار على سطح بارد، فتحدث له عملية التكثيف.
وقد أوضحنا هذه العملية بكوب الماء حين تتركه ممتلئا وتسافر مثلا، فحين تعود تجد الكوب قد نقص قليلا، أما إذا أرقته على الأرض، فإنه يجف سريعا، وقبل أن تغادر المكان، لماذا ؟ لأنك وسعت مساحة البخر.
ومعنى يجزي سحابا... ٤٣ ( النور ) : أي : يرسله برفق ومهل ؛ لذلك لما وصف الشاعر مشي الفتاة قال :
كأن مشيتها من بيت جارتها مر **** السحابة لا ريث(٣) ولا عجل
ثم يؤلف بينه... ٤٣ ( النور ) : أي : يجمع بعضه على بعض. وحين يجمع الشيء بعضه على بعض لا بد أن يبقى بينه فاصل، فلا يلتحم بغيره التحاما تاما، ولولا هذه الفواصل بين قطع السحاب، ولولا هذه الفتوق ما نزل الودق من خلاله.
ولو شاء سبحانه لجعل السحاب قطعة واحدة، ولكنه سبحانه يؤلف بينه ويجمعه بعضه على بعض دون أن يوحده تكوينا، فيحدث بذلك فراغا بين قطع السحاب. أرأيت حين نلصق الورق بالصمغ مثلا فمهما وضعت عليه من ثقل لا بد أن يبقى بينه فراغات ؛ لأنه ليس ذاتا واحدة.
وعملية تفريغ الهواء هذه تلاحظهما حين تضع كوبا مبلولا وتتركه لفترة، فيتبخر الماء من تحته ويخرج الهواء، فإذا أردت رفعه وجدته صعبا لماذا ؟ لتفريغ الهواء من تحت قاعدة الكوب، وفي هؤلاء الذين يعالجون الآلام الناتجة عن البرد، فيضعون الكوب مقلوبا على مكان الألم، ثم يشعلون بداخله قطعة من القماش مثلا لتحرق الهواء بداخل الكوب.
وبذلك نمنع الخلل في التقاء الكوب بالجسم، وهذه المسألة هي سر عظمة قدماء المصريين في البناء، حيث تتماسك الحجارة دون وجود( مونة ) تربط بينهما.
إذن : وجود الهواء بين الشيئين يحدث خللا بينهما، ولولا هذا الخلل في السحاب ما نزل منه الماء، والمطر آية عظيمة من آيات الله لا نشعر بها، ولك أن تتصور كم يكلفنا كوب الماء المقطر حين نعده في المعمل، فما بالك بالمطر الذي يسقي الأرض كلها ؟
ثم يقول تعالى : ثم يجعله ركاما... ٤٣ ( النور ) : يعني : مكدسا بعضه على بعض، وفي آية أخرى : وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم٤٤ ( الطور ) متراكم بعضه على بعض فترى الودق... ٤٣ ( النور ) : أي : المطر : يخرج من خلاله... ٤٣ ( النور ) : أي : من خلال هذه الفجوات والفواصل التي تفصل بين السحب.
وهذا الماء الذي ينزل من السماء فيحيي به الله الأرض قد يأتي نقمة وعذابا، كما قال سبحانه : وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء... ٤٣ ( النور ) : ولنا في أهل مأرب الذين أغرقهم الله عبرة وعظة.
ولو تأملت لوجدت الماء والنار عدوين متقابلين يصعب مقاومتهما ؛ لذلك كان العرب إلى عهد قريب يخافون الماء لما عاينوه من غرق بعد انهيار سد مأرب ؛ لذلك آثروا أن يعيشوا في الصحراء بعيدا عن الماء.
وبالماء نجى الله تعالى موسى- عليه السلام- وأغرق عدوه فرعون، ففعل سبحانه الشيء وضده بالشيء الواحد.
وقوله تعالى : يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار٤٣ ( النور ) : أي : الضوء الشديد الذي يحدثه السحاب يكاد أن يخطف الأبصار، وفي البرق تتولد النار من الماء ؛ لذلك حينما يقول تعالى : وإذا البحار سجرت(٤)٦ ( التكوير ) : فصدق هذه الآية الغيبية ؛ لأنك شاهدت نموذجا لها في مسألة البرق.

١ الودق: المطر، شديدة وهينة. (لسان العرب –مادة: ودق).
.

٢ السنا: ضوء النار والبرق. قال أبو زيد: سنا البرق ضوؤه من غير أن ترى البرق أو ترى مخرجه في موضعه، فإنما يكون السنا بالليل دون النهار، وربما كان في غير سحاب(لسان العرب- مادة: سنا)..
٣ الريث: الإبطاء. راث يريث: أبطأ. وتريث فلان علينا. أي: أبطأ. (لسان العرب –مادة: ريث)..
٤ أي: امتلأت ماء، أو امتلأت نارا يوم القيامة. (القاموس القويم ١/٣٠٣)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير