ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

بورا : هالكين بضلالهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ١٧ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء ولَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وكَانُوا قَوْمًا بُورًا ١٨ فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولَا نَصْرًا ومَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ١٩ [ ١٧ ـ ١٩ ].
في الآيات أسلوب آخر في صدد إفحام المكذبين المشركين وتسفيههم وإنذارهم. فالله تعالى سيحشرهم يوم القيامة مع معبوداتهم التي اتخذوها من دون الله فيسأل المعبودات عما إذا كانوا هم الذين أضلوا عباده وزينوا لهم عبادتهم أم هم الذين ضلوا عن طريق الحق وزاغوا باختيارهم فيجيبونه متنصلين مقررين أنهم لا يمكنهم أن يجرؤوا على ذلك، ويتخذوا أولياء من دونه أو يفرضوا عبادتهم على الغير ولكن الضالين استغرقوا في متع الحياة وشهواتها هم وآباؤهم من قبلهم حتى نسوا ذكر الله تعالى واختاروا الضلال على الهدى. وحينئذ يوجه الخطاب الرباني إلى الكفار بأسلوب تبكيتي بأن الذين اتخذوهم معبودات من دون الله قد تنصلوا منهم وكذبوهم، وبأنهم في حالة العجز واليأس من دفع العذاب عن أنفسهم أو الانتصار في الموقف العصيب الذي يواجهونه. وانتهت الآية الأخيرة بإنذار عام للناس بأن من يظلم نفسه وينحرف عن طريق الحق يصير إلى شر مصير ويذوق العذاب الأليم.
والآيات استمرار للسياق ومتصلة به كما هو المتبادر، وليس في الآيات تصريح بهوية المعبودات المقصودة. وقد قال المفسرون : إنهم الملائكة أو المسيح عليه السلام أو العزير ومنهم من قال إنهم الأصنام يأتي بهم الله فينطقهم١. والذي نرجّحه أنهم الملائكة. وفي سورة سبأ آيات مشابهات للآية [ ١٧ ] احتوت تصريحا بالملائكة مما يؤيد هذا الترجيح وهي : ويوم يحشرهم جميعا ويقولوا للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ٤٠ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ٤١ .
ومشركو العرب إنما كانوا يعبدون الملائكة ويتّخذونهم شفعاء عند الله على ما حكته آيات عديدة أوردنا نصوصها في سياق سورة المدثر وسورة النجم. وهذا مما يقوي ترجيحنا.
والحوار الذي احتوته الآيات إنما أُريد به تصوير ما سوف يكون في الآخرة أو حكاية مسبقة له. وفيه معنى تبكيتي وتسفيهي وإنذاري. واستهدف فيما استهدفه تقرير عجز المعبودات عن تحقيق ما يؤمّله المشركون فيهم وكونهم هم أنفسهم عباد الله الذين يخضعون له كل الخضوع ويخافونه كل الخوف مما يتضمن تدعيم ذلك المعنى. وقد استهدف كذلك فيما استهدف حمل المشركين على الارعواء عن الضلال والسخف وإثارة الخوف في نفوسهم.
وفي الآيات بيان سبب من أسباب ضلال الناس وانصرافهم عن واجباتهم وعن التدبّر في آيات الله وحكمته يضاف إلى السبب الذي ذكرته الآيات السابقة أي إنكار الآخرة، وهو استغراقهم في متع الحياة الدنيا وشهواتها استغراقا يميت ضمائرهم ويعمي أبصارهم وينسيهم ذكر الله وواجباتهم نحوه ونحو الناس وينطوي في هذا تحذير من ذلك بطبيعة الحال.
تعليق على تعبير
مَّتَّعْتهُمْ وآبَاءهُمْ
وقد توهم عبارة مَّتَّعْتَهُمْ وآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ في جواب المعبودات أنها توجه المسؤولية في ضلال الناس إلى الله سبحانه وتعالى بما يسهّله لهم من متع الحياة حتى يستغرقوا فيها. وفي الآيات ما يزيل هذا الوهم. فهي في صدد تصويري لتنصّل المعبودات من عابديهم وإظهار خضوعهم لله. والإشارة إلى استغراق الناس، ذلك الاستغراق الذي ينسيهم ربّهم وواجباتهم هي بسبيل التنديد بعقيدة المشركين وإسرافهم في الاستغراق. ويمكن أن يقال في هذا المقام : إن في تمكّن الناس من المتع الدنيوية مظهرا من مظاهر الانطباق على النواميس التي أودعها الله في كونه وخلقه. ومن هذه النواميس أن يكون الناس متمتعين بجميع مشاعرهم وقابليتهم وقواهم ليكونوا أحرارا في اختيار ما يختارون وترك ما يتركون فيستحقوا جزاءهم وفق اختيارهم.
وفي الآية الأخيرة قرينة على هذا المعنى حيث احتوت وعيدا لمن ( يظلم ) ولا يتحقق معنى هذه الكلمة إلاّ في من كان في قدرته أن يظلم. والإسراف وسوء القصد في الاختيار والانحراف عن طريق الحق والهدى ظلم، ولذلك أوعد الله سبحانه وتعالى صاحبه بالعذاب الأليم. وهذه الآية بهذا المعنى مزيلة للوهم الذي يمكن أن يتبادر إلى الذهن من العبارة والله أعلم.
تعليق على ما في القرآن من تكرار
التنديد بالظالمين ووعيدهم وإنذارهم
والظلم في الآية الأخيرة يعني على ما يتبادر من مقامها الإجرام والبغي والانحراف عن الحق. ونفس المعنى مندمج في الكلمة التي جاءت في الآية الثامنة من هذه السورة. وبهذه المناسبة نقول : إن هذه الكلمة ومشتقاتها قد وردت في القرآن نيفا وثلاثمائة مرة ؛ حيث يدلّ هذا على ما أوّلته حكمة التنزيل من اهتمام عظيم لمعالجة ما انطوى في هذه الكلمة التي تتجسّد فيها معان عديدة على ما تفيده وتلهمه الآيات التي وردت فيها كالجور الذي هو ضدّ العدل والانحراف عن طريق الحق والجناية على النفس والإضرار بالنفس والغير والعدوان على حريّات الناس وحقوقهم وأموالهم ودمائهم وبخاصة الضعفاء واستغلالهم والتحكّم فيهم والاستكبار عن دين الله وسبيله والصدّ عنهما ومناوأة رسل الله ودعاة الإصلاح والهدى والكيد لهم واقتراف الآثام وبخس الحق. وبكلمة واحدة كل المنكرات والفواحش. ومعظم الآيات التي جاءت فيها والتي تغني كثرتها وإثباتها في معظم السور عن التمثيل لها هي بسبيل التنديد بالظلم والظالمين على اختلاف مدلول الكلمة والحملة عليهم ولعنتهم وبيان ما سوف يلقونه من الخزي وانفصال وسوء العاقبة والمنقلب في الدنيا والآخرة. والتعريض بهم والتحريض عليهم وإيجاب مكافحتهم ومقاومتهم بكل وسيلة. وعدم الإذعان لهم والسكوت عنهم وتلقين ما في ذلك من عزّة وكرامة وحق ونصر لدين الله ومصلحة المسلمين العامة وطمأنينة المجتمع وتلقين ما في مخالفة ذلك من إثم ومنكر وذلّ ومهانة وتشجيع على الظلم واستشرائه. وفي كل ذلك ينطوي هتاف قرآني داو ضد الظلم والظالمين ودعوة داوية إلى اجتنابه ومقاومته. وهذا وذاك بقوته وشموله من الخصوصيات التي انفرد بها القرآن.
وهناك آيات عديدة تذكر أن الله يأخذ القرى أيضا إذا كانت ظالمة وأن الله لا يهلك التي تظلم إذا كان أهلها مصلحين وأن الله قد يهمل الظالمين أمدا ولكنه لا بدّ من أن يأخذهم بعذابه وبأسه مثل الآيات التالية :
١ ـ وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود : ١٠٢ ]
٢ ـ ومَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [ هود : ١١٧ ]
٣ ـ{ وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وإِلَيَّ الْمَصِيرُ{ [ الحج : ٤٨ ]٢
وإذا لوحظ أنه لا يكون عادة جميع أهل القرى ظالمين أو صالحين، وإنما يكون ذلك حالة بعضهم فيكون قد انطوى في الآيات سنّة ربانية وهي شمول البلاء أو الرحمة إذا ما كانت حالة الظلم أو حالة الصلاح هي الغالبة. وقد أمر الله المسلمين بالاتقاء من الفتن التي إذا حدثت لا ينحصر شرّها في الذين اقترفوها بل يعمّ كما جاء في آية سورة الأنفال هذه : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب٢٥ .
وفي سورة الإسراء آية من هذا الباب تفيد أن سيطرة المترفين الفاسقين على قرية تكون سببا لتدميرها وهي : وإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ١٦ .
ولما كان هناك آيات كثيرة تقرر أن الله لا يظلم أحدا، فينبغي أن يفرض أن غير الظالمين رضوا أو سكتوا عن ظلم الظالمين فعمهم الله ببلائه. وآية سورة الأنفال قويّة التأييد لذلك لأنها تأمر باتقاء الفتنة حتى لا يصيب بلاؤها الجميع واتقاؤها هو بالتضامن على منعها وضرب مثيرتها.
ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة في مثل ذلك منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الظلم ظلمات يوم القيامة " ٣. وحديث رواه الشيخان وأحمد عن ابن عمر كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من أخذ من الأرض شبرا بغير حقّ خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين " ٤، وفي رواية " من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوّقه يوم القيامة من سبع أرضين ". وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلّله منه اليوم قبل ألاّ يكون دينار ولا درهم. إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فحمل عليه " ٥. وحديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه " ٦. وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحتقره. التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " ٧. وحديث رواه أبو داود عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ليس منّا من دعا إلى عصبيّة وليس منّا من قاتل على عصبيّة وليس منّا من مات على عصبيّة. عن واثلة بن الأسقع قال قلت يا رسول الله ما العصبية ؟ قال : أن تعين قومك على الظلم " ٨. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن جابر :" أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره " ٩. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إنّ الله ليملي للظالم حتّى إذا أخذه لم يفلته " ١٠. وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن أبي بكر قال :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنّ الناس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب " ١١. وحديث رواه مسلم عن أبي ذرّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنّ الله تعالى يقول : إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا يا عبادي إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلاّ نفسه " ١٢. وهناك أحاديث صحيحة أخرى بوجوب الضرب على يد الظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتنويه بمن يقول كلمة حقّ أمام سلطان جائر واعتبار ذلك من أفضل الجهاد أوردناها في سياق تعليقنا على الأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في سورة الأعراف، وتصحّ أن تورد في هذا السياق أيضا بحيث يبدو التساوق في التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر كما في كلّ أمر.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير