ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

قلت :" اتخذ " قد يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله : أَمِ اْتَّخَذُوا آلِهَةً [ الأنبياء : ٨ ]، وقد يتعدى إلى مفعولين، كقوله : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [ النساء : ١٢٥ ]، فقرأ الجمهور :( أن نَتَّخِذَ ) ؛ بالبناء لفاعل. وقرأ الحسن وأبو جعفر بالبناء للمفعول. فالقراءة الأولى على تعديته لواحد، والثانية على تعديته لاثنين. فالأول : الضمير في ( نتخذ )، والثاني :( من أولياء ). و( مِن ) : للتبعيض، أي : ما ينبغي لنا أن نتخذ بعضَ أولياءٍ من دونك ؛ لأن " من " لا تزاد في المفعول الثاني، بل في الأول، تقول : ما اتخذت من أحد وليّاً، ولا تقول : ما اتخذت أحداً من ولي. وأنكر القراءة أبو عمرُو بن العلاء وغيره، وهو محجوج ؛ لأن قراءة أبي جعفر من المتواتر.
قالوا في الجواب : سبحانك ؛ تعجيباً مما قيل، لأنهم إما ملائكة معصومون، أو جمادات لا تنطق ولا قدرة لها على شيء، أو : قصدوا به تنزيهه عن الأنداد، ثم قالوا : ما كان ينبغي لنا أي : ما صح وما استقام لنا أن نتخذ من دونك أي : متجاوزين إياك، من أولياء نعبدهم ؛ لِمَا قام بنا من الحالة المنافية له، فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ أن نحمل غيرنا على أن يتخذوا غيرك، فضلاً أن يتخذونا أولياء، أو : ما كان يصح لنا أن نتولى أحداً دونك، فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا أن يتولونا دونك حتى يتخذونا أرباباً من دونك، ولكن متَّعتهم وآباءهم بالأموال والأولاد وطول العمر، فاستغرقوا في الشهوات، وانهمكوا فيها حتى نَسُوا الذّكر أي : غفلوا عن ذكرك، وعن الإيمان بك، واتباع شرائعك، فجعلوا أسباب الهداية ؛ من النعم والعوافي، ذريعة إلى الغواية. وكانوا ، في قضائك وعلمك الأزلي، قوماً بوراً ؛ هالكين، جمع : بائر، كعائذ وعوذ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل من عشق شيئاً وأحبه من دون الله فهو عابد له، فرداً أو متعدداً، فيُحشر معه يوم القيامة، فيقال لهم : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء، أم هم ضلوا السبيل ؟ فيتبرؤون منهم، ويقولون : بل متعتهم بالدنيا، وألهيتهم عن الذكر والتفكر والاعتبار، أو عن الشهود والاستبصار، حتى نسوا ذكر الله وكانوا قوماً بوراً. وقد ورد :( أن الدنيا تُبعث يوم القيامة على هيئة عجوز شمطاء زرقاء، فتنادي : أين أولادي ؟ فيجمعون لها كرهاً، فتقدمهم، فتوردهم النار ). وقوله تعالى : ومن يظلم منكم أي : يخرج عن حد الاستقامة في العبودية، وشهود عظمة الربوبية، نُذقه عذاباً كبيراً، وهو ضرب الحجاب على سبيل الدوام، إلا وقتاً مخصوصاً مع العوام. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير