ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

الصفة السادسة والسابعة والثامنة :
" والذين لا يدعون مع الله إلها آخر.
" ولا يقتلون النفس التي حرم اله إلا بالحق.
" ولا يزنون.. ".
سبب النزول :
ثبت في الصحيحين – واللفظ المسلم – أن عبد الله بن مسعود قال :
" قال رجل : يا رسول الله، أي الذنب أكبر ؟
قال : أن تدعو لله ندا وهو خلقك.
قال : ثم أي ؟
قال : أن تقتل ولدك مخافة من أن يطعم معك.
قال : قلت ثم أي ؟
قال : أن تزاني حليلة جارك.
فأنزل اله تصديقها :" والذين لا يدعون مع الله إلها آخر... "
المطابقة بين الآية وسبب نزولها :
تلك الجرائم فاجتنبها :
تواردت الآية والحديث في الإثم الأول على شيء واحد، وتوارده أيضا في الثاني والثالث. إلا أن في الحديث ذكر فرد من العام هو شر أفراده وأكبرها إثما. وفي ذكر الآية ذكر العام.
ولا شك أن شر قتل النفس هو قتل الولد، لما في ذلك زيادة على قتل النفس من الخروج عن حنان الفطرة، وارتكاب ضد ما توجبه الرعاية والكفالة، وسوء الظن بالله المتكفل برزق الخليقة.
كما أن الزنا بحليلة الجار، هو شر أفراد الزنا لما فيه زيادة على الزنا من انتهاك حرمة الجار، وخيانة الأمانة، فإنهم ما تجاوروا حتى أمن بعضهم بعضا، و إدخال الفساد على أساس التكوين الاجتماعي في الناس وهو التجاوب والتقارب.
المناسبة :
لما أثبتت لهم أصول الطاعات في الآيات المتقدمة، نفى عنهم أمهات المعاصي في هذه الآية ؛ تنبيها على أن الإيمان الكامل هو ما ثبت معه الطاعات وتنتفي المعاصي، وذلك هو غاية الامتثال للأوامر والنواهي.
وفيه تعريض بما كان عليه المشركون من الاتصاف بهذه المعاصي من دعائهم آلهتهم مع الله، وقتلهم النفس وارتكابهم فاحشة الزنا.
وقدم إثبات الطاعات على انتفاء المعاصي ؛ تنبيها على أن من راض نفسه على الطاعة ودنت نفسه بالإخبات١ والانقياد للأوامر الشرعية، ضعفت منه أو زالت دواعي الشر والفساد، فانكف عن المعصية٢.
نكتة استطرادية :
فمن هنا نعلم : أن على المسلم الذي يعمل لتزكية نفسه، أن يواظب على الطاعات بأنواعها. أن يجتهد في حصول الأنس بها، والخشوع فيها فإن ذلك زيادة على ما يثبت فيه من أصول الخير، يقلع منه أصول الشر ويميت منه بواعثه.
وجه ترنيت هذه الصفات المنفيات :
قامت الشريعة على المحافظة على حقوق الله، وحقوق عباده، وحق الله على عباده أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا ؛ فمن دعا مع الله غيره، وأشرك به سواه، فقد أبطل حق الله وأعدم عبادته.
قتل، وقتل :
ومن قتل النفس فقد تعدى على أول حق جعله الله لعباده بفضله، وهو حق الوجود، عمل على إبطال وجودهم وفناء نوعهم وزوال عبادتهم، فلهذا قرن قتل النفس بدعاء غير الله معه.
ولما كان الزنا فيه بطلان النسب وفساد الخلق والجسد، وذلك مؤد إلى الاضمحلال والزوال، والشرور والأهوال، قرن بقتل النفس فذلك قتل حقيقي، وهذا قتل معنوي.
( الدعاء ) هو النداء لطلب أمر أو تنبيه عليه.
المفردات :
( الإله ) هو المعبود.
( حرم الله النفس ) جعل لها حرمة ومنعة، فلا يجوز التعدي عليها ومادة ( ح ر م ) تفيد المنع في جميع تصاريفها.
( الحق ) هو الثابت من مقتضيات القتل في الشرع.
التراكيب :
وصف النفس بالاسم الموصول المعروف الصلة ؛ لأن تحريم الله لها أمر مركوز في النفوس، معروف للبشر بما جاءهم من جميع الشرائع. وكان النفي للفعل بصيغة المضارع للإشارة إلى استمرار ذلك النفي.
المعنى :
و الذين لا يدعون ولا يعبدون مع الله إلها آخر، فيشركون به سواه في عبادتهم إياه، ولكنهم يخلصون له العبادة، ويفردونه بالطاعة، و يوحدونه في ربوبيته وألوهيته.
و لا يقتلون النفس التي جل الله لها حرمة، وحرم قتلها بالسبب إلا الحق الثابت في دين الله المعارض لحرمتها، المقتضى لقتلها بالزنا بعد الإحصان٣.
أو الكفر بعد الإيمان، أو القتل للنفس العمد العدوان.
ولا يزنون فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانه من الفروج.
مزيد بيان لتوحيد الرحمن :
من دعا غير الله فقد عبده :
ما يزال الذكر الحكيم يسمي العبادة دعاء و يعبر به عنها ؛ ذلك لأنه عبادة، فعبر عن النوع ببعض أفراده، وإنما اختير هذا الفرد ليعبر به عن النوع ؛ لأن الدعاء مخ العبادة وخلاصتها، فإن العابد يظهر ذله أمام عز المعبود، وفقره أمام غناه، وعجزه أمام قدرته، وتمام تعظيمه له وخضوعه بين يديه. و يعرب عن ذلك بلسانه بدعائه وندائه وطلبه منه حوائجه.
فالدعاء هو المظهر الدال على ذلك كله. ولهذا كان مخ عبادته.
وقد جاء التنبيه على هذا في السنة المطهرة : فعن النعمان بن بشير – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - :
" الدعاء هو العبادة " ثم قرأ " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ". رواه أحمد والترمذي وأبو داود رحمهم الله والنسائي وابن ماجة.
وعن أنس – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - :" الدعاء مخ العبادة " رواه الترمذي رحمه الله فتطابق الأثر والنظر على أن الدعاء عبادة فمن دعا غير الله فقد عبده وإن كان هو لا يسمي دعاءه لغير الله عبادة ؛ فالحقيقة لا ترتفع بعدم تسميته لها باسمها وتسميته لها بغير اسمها، والعبرة بتسمية الشرع التي عرفناها من الحديثين المتقدمين لا بتسميته.
من دعا شيئا فقد اتخذه إلهه :
لما ثبت أن الدعاء عبادة فالداعي عابد، والمدعو معبود، والمعبود إله، فمن دعا شيئا فقد اتخذه إلهه ؛ لأنه فعل مالا يفعل إلا للإله ؛ فهو وإن لم يسمه إلها بقوله فقد سماه بفعله : ألا ترى إلى أهل الكتاب لما أتبعوا أحبارهم ورهبانهم في التحليل والتحريم – وهما لا يكونان إلا من الرب الحق العالم بالمصالح – قال الله تعالى فيهم :
" اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله٤ " وإن كانوا لا يسمونهم فحكم عليهم بفعلهم، ولم يعتبر منهم عدم التسمية لهم أربابا بألسنتهم.
فكذلك يقال فيمن دعا شيئا أنه اتخذه إلها نظرا لفعله وهو دعاؤه ولا عبرة بعدم تسميته له إلها بلسانه.
وفي حديث عدى بن حاتم الذي رواه الترمذي وغيره، أنه قال للنبي – صلى الله عليه وآله وسلم - لما سمعه يقرأ هذه الآية٥ :( إنهم لم يكونوا يعبدونهم ؟ ).
فقال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - :
أليس كانوا حرموا عليهم شيئا حرموه، وإذا أحلوا لهم شيئا أحلوه ؟
قال : قلت نعم قال : فتلك عبادتهم إياهم ".
قال الإمام الجصاص : ولما كان التحليل والتحريم لا يجوز إلا من جهة العالم بالمصالح، ثم قلد هؤلاء أحبارهم و رهبانهم في التحليل والتحريم، وقبلوه منهم، وتركوا أمر الله تعالى فيما حرم وحلل، صاروا متخذين لهم أربابا إذ نزلوهم في قبول ذلك منهم منزلة الأرباب ا ه.
تنظير :
وعلى وزانه تقول : لما كان الدعاء عبادة، والعبادة لا تكون إلا للإله، كان الداعي لشيء من المخلوقات متخذا إياه إلها، لما نزله بدعائه إياه منزلة الإله، سواء دعاه وحده دون الله، أو دعاه مع الله. والعياذ بالله.
تحذير وإرشاد :
من دعاء غير الله :
ما أكثر ما تسمع في دعاء الناس " يا ربي والشيخ "، " يا ربي وناس ربي "، " يا ربي والناس الملاح ". وهذا من دعاء غير الله، فإياك أيا المسلم وإياه، وادع الله ربك وخالقك وحده وحده وحده، وأنف الشرك راغم.

١ القبول والإذعان للطاعة..
٢ كما يقول البوصيري، رحمه الله : والنفس كالطفل إن تهمله شب على : حب الرضاع و إن تفطمه ينفطم..
٣ الإحصان : هو الزواج، فالمحصن ما له زوجة، وغيره غير محصن فعليه الجلد..
٤ التوبة : الآية ٣١..
٥ " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله "..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير