والوصف السادس من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ، بمعنى أنهم أسلموا وجوههم لله بالمرة، وتبرأوا كل البراءة من اتباع الهوى والتمسك بالأثرة والأنانية، فلم يتخذوا إلههم هواهم، فضلا عما هو فوق ذلك من الشرك والوثنية.
والوصف السابع من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ، بمعنى أنهم لا يتسببون في قتل النفوس التي أمر الله بحفظها، بل يحافظون بكل الوسائل على حياة أصحابها، إلى أن يأذن الله بموتها، إيمانا منهم بأنه هو وحده الذي يحيي ويميت. وواضح أن الأمر باحترام نفوس الغير يقتضي من باب أولى وأحرى الأمر باحترام الإنسان لنفسه بنفسه، فلا يسوغ له الانتحار، بدعوى الفشل أو غسل العار، إذ لا عقاب لقاتل نفسه عند ربه إلا النار، قال تعالى :( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا )النساء ٢٩-٣٠
وقوله تعالى هنا : إلا بالحق إشارة إلى القتل المشروع في حدود الله، رعاية من الحق، لمصالح الخلق، كالقتل المترتب على الكفر بعد الإيمان، والزنى بعد الإحصان، فعباد الرحمن لا يقفون في وجه إقامة الحدود، حتى لا يحاسبوا على إهمالها في اليوم الموعود. وإذا كان قتل الإنسان لنفسه ونفوس الناس بمعنى القتل المادي أمرا محرما في الشرع والطبع، فإن قتله لنفسه أو نفوس الناس بالمعنى الروحي لا يقل خطورة عن الأول، بل ربما كان عملا أخطر، وجرما أكبر، و " القتل المعنوي للنفوس " هو تركها ترتع في الشهوات والمخالفات دون حساب يسير ولا عسير، وتركها تتخبط في الشبهات والضلالات دون هدى ولا كتاب منير.
والوصف الثامن من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ولا يزنون ، بمعنى أنهم لا يتناولون الخبائث ولا يقربون الفواحش، لا ما ظهر منها ولا ما بطن، فهم حريصون على أن تكون حياتهم الاجتماعية والعائلية كلها نظافة وطهرا، وترفعا عن انتهاك الأعراض التي حرمها الله سرا وجهرا، فأعراض المحصنات المؤمنات معهم في أمان، في كل الأزمان.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري