ثم بيّن سبب طعنهم في القرآن، بأنهم ليس فيهم قابلية الإدراك ؛ لكونهم موتى صماً، لا حياة لهم ولا سمعَ استبصار، قال تعالى : إنك لا تُسمع الموتى ، شُبِّهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يُتلى عليهم من القوارع والزواجر، ولا تُسمِع الصمَّ الدعاءَ أي : الدعوة إلى أمر من الأمور إذا وَلَّوا مدبرين عنك. وتقييد النفي بالإدبار ؛ لتكميل التنبيه وتأكيد النفي، فإنهم مع صمَمهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي، مولون على أدبارهم. ولا ريب أن الأصم لا يسمع الدعاء، مع كون الداعي بمقابلة صماخه، قريباً منه، فكيف إذا كان خلفه بعيداً منه ؟.
ذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه كان يُناظر جماعة من المعتزلة، ليردهم إلى الحق، فدخل عليه رجل من القراء، يُقال له : أبو مروان، فسلَّم عليه، فقال له الشيخ : اقرأ علينا آية من كتاب الله، فأجرى الله على لسانه، من غير قصد، قوله تعالى : فتوكل على الله إنك على الحق المبين إلى قوله : ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون فتهلل وجه الشيخ، وقال : ما بعد بيان الله من بيان، فتابوا واهتدوا إلى الحق، ورجعوا عن مذهبهم، وشفا الله قلوبهم من مرض الاعتزال. فهذا شأن العارفين بالله، جعلهم الله شفاء من كل داء، لكن الأعمى والأصم لا يُبصر الداعي، ولا يَسمع المنادي. ولذلك قال تعالى : فإنك لا تُسمع الموتى.. إلخ : قال الورتجبي : الميت : من ليس له استعداد لقبول المعرفة الحقيقية بغير الدلائل، والأصم : من كان أذن قلبه مسدودة بغواشي القهر، ومن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه وشهواته. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي