المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ما يتعلق بالنشأة الأولى وأنه خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون، وما يتصل بالبعث والنشور وأقام على ذلك الدليل يتلو الدليل بما لم يبق بعده مستزاد لمستزيد - أردف ذلك الكلام في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأقام الأدلة على صحتها وصدق دعواه فيما يدعي، وكان من أعظم ذلك القرآن الكريم، لا جرم بين الله تعالى إعجازه من وجوه :
إن ما فيه من القصص موافق لما في التوراة والإنجيل مع أنه صلى الله عليه وسلم كان أميا ولم يخالط أحدا من العلماء للاستفادة والتعلم، فلا يكون ذلك إلا من وحي إلهي من لدن حكيم خبير.
إن ما فيه من دلائل عقلية على التوحيد والبعث والنبوة والتشريع العادل المطابق لحاجة البشر في دنياهم وآخرتهم - لا يوجد له نظير في كتاب آخر، فلا بد أن يكون ذلك من عند الله.
إنه قد بلغ الغاية في الفصاحة والبلاغة حتى لم يستطع أحد أن يتصدى لمعارضته مع حرصهم عليها أشد الحرص، فدل ذلك على أنه خارج عن قوى البشر، وأنه من الملإ الأعلى ومن لدن خالق القوى والقدر.
ثم ذكر بعد ذلك أنه جاء حكما على بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه، فأبان لهم الحق في هذا كاختلافهم في أمر المسيح، فمن قائل هو الله، ومن قائل هو ابن الله، ومن قائل إنه ثالث ثلاثة، وقوم يقولون إنه كاذب في دعواه النبوة، كما نسبوا مريم إلى ما هي منزهة عنه، وقالوا إن النبي المبشر به في التوراة هو يوشع عليه السلام أو هو نبي آخر يأتي آخر الدهر. إلى نحو ذلك مما اختلفوا فيه، وأنه لا يحكم إلا بالعدل، فقوله الحق وقضاؤه الفصل.
ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتوكل عليه فإنه حافظه وناصره، وأن يعرض عن أولئك الذين لا يستمعون لدعوته، لأنهم صم بكم لا يعقلون، والذكرى لا تنفع إلا من له قلب يعي، وآذان تسمع دعوة الداعي إلى الحق فتستجيب لها.
الإيضاح : ثم أيأسه من إيمان قومه وأنه لا أمل في استجابتهم لدعوته فقال :
إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين أي إنك لا تقدر أن تفهم الحق من طبع الله على قلوبهم فأماتها، ولا أن تسمعه من أصمهم عن سماعه، ولاسيما أنهم مع ذلك معرضون عن الداعي، مولّون على أدبارهم، وإنما شبههم بالموتى لعدم تأثرهم بما يتلى عليهم، وشبههم بالصم البكم ليبين أنه لا أمل في استجابتهم للدعوة، لأن الأصم الأبكم لا يسمع الداعي بحال.
وظاهر نفي سماع الموتى العموم، فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل.
كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم خاطب القتلى في قليب( بئر ) بدر فقيل له : يا رسول الله إنما تكلم أجسادا لا أرواح لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " أخرجه مسلم.
وكما ثبت أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه.
وقصارى ما سلف : إنه تعالى أمره بالتوكل عليه والإعراض عما سواه، لأنه على الحق المبين ومن سواه على الباطل، ولأنه تعالى مؤيده وناصره، ولأنه لا مطمع في مشايعة المشركين ومعاضدتهم، لأنهم كالموتى وكالصم البكم، فلا أمل في استجابتهم للدعوة، ولا في قبولهم للحق.
ثم أكد ما سلف وقطع أطماعه في إيمانهم على أتم وجه فقال : وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم .
تفسير المراغي
المراغي