ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ

والعلة الثانية قوله : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى لأنه إذا علم أن حالهم كحال الموتى في انتفاء الجدوى بالسماع، أو كحال الصمّ الذين لا يسمعون ولا يفهمون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في عدم الاعتداد بهم، شبه الكفار بالموتى الذين لا حسّ لهم ولا عقل، وبالصمّ الذين لا يسمعون المواعظ، ولا يجيبون الدعاء إلى الله. ثم ذكر جملة لتكميل التشبيه وتأكيده فقال : إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ أي إذا أعرضوا عن الحق إعراضاً تاماً، فإن الأصمّ لا يسمع الدعاء إذا كان مقبلاً فكيف إذا كان معرضاً عنه مولياً مدبراً. وظاهر نفي إسماع الموتى العموم، فلا يخصّ منه إلاّ ما ورد بدليل كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم خاطب القتلى في قليب بدر، فقيل له : يا رسول الله إنما تكلم أجساداً لا أرواح لها، وكذلك ما ورد من أن الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا. وقرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وابن أبي إسحاق : لا يسمع بالتحتية مفتوحة وفتح الميم، وفاعله لصمّ . وقرأ الباقون تسمع بضم الفوقية، وكسر الميم من أسمع. قال قتادة : الأصمّ إذا ولى مدبراً، ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم قال : اقترب لكم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ قال : يعلم ما عملوا بالليل والنهار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ الآية يقول : ما من شيء في السماء والأرض سرًّا ولا علانية إلا يعلمه. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله : وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم الآية قال : إذا لم يأمروا بمعروف، ولم ينهوا عن منكر. وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية أنه فسر وَقَعَ القول عَلَيْهِم بما أوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : دَابَّةً مّنَ الأرض تُكَلّمُهُمْ قال : تحدّثهم. وأخرج ابن جرير عنه قال : كلامها تنبئهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي داود نفيع الأعمى قال : سألت ابن عباس عن قوله : تُكَلّمُهُمْ يعني هل هو من التكليم باللسان، أو من الكلم، وهو الجرح ؟ فقال : كل ذلك، والله تفعل، تكلم المؤمن وتكلم الكافر أي تجرحه. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ليس ذلك حديث، ولا كلام، ولكنها سمة تسم من أمرها الله به، فيكون خروجها من الصفا ليلة منى، فيصبحون بين رأسها وذنبها لا يدحض داحض، ولا يجرح جارح، حتى إذا فرغت مما أمرها الله به فهلك من هلك، ونجا من نجا، كان أوّل خطوة تضعها بإنطاكية». وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : الدابة ذات وبر وريش، مؤلفة فيها من كل لون، لها أربع قوائم تخرج بعقب من الحاج. وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«تخرج الدابة فتسم على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل الدابة، فيقال له : ممن اشتريتها ؟ فيقول : من الرجل المخطم» وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس :" إن للدابة ثلاث خرجات " ؛ وذكر نحو ما قدّمنا. وأخرج ابن مردويه عن حذيفة بن أسيد رفعه قال :" تخرج الدابة من أعظم المساجد حرمة " وأخرج سعيد بن منصور ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : تخرج من بعض أودية تهامة.
وأخرج الطيالسي وأحمد ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : تخرج من بعض أودية تهامة. وأخرج الطيالسي وأحمد ونعيم بن حماد والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالخاتم، وتخطم أنف الكافر بالعصا، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر»، وأخرج الطيالسي ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن حذيفة بن أسيد الغفاريّ قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة، فقال :«لها ثلاث خرجات من الدهر» وذكر نحو ما قدّمنا في حديث طويل. وفي صفتها ومكان خروجها وما تصنعه ومتى تخرج أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف. وأما كونها تخرج، وكونها من علامات الساعة، فالأحاديث الواردة في ذلك صحيحة. ومنها ما هو ثابت في الصحيح كحديث حذيفة مرفوعاً :«لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات» وذكر منها الدابة فإنه في صحيح مسلم وفي السنن الأربعة، وكحديث :«بادروا بالأعمال قبل طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة» فإنه في صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وكحديث ابن عمر مرفوعاً :«إن أوّل الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى» فإنه في صحيح مسلم أيضاً.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية