[ الآية ٨٠ ] [ وقوله تعالى ]١ : إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين قال بعض أهل التأويل : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى يوم بدر : يا فلان، ويا فلان، وهم قتلى بعدما أمر أن يجمعوا في قليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ ألم تكذبوا نبيكم، وتكفروا بربكم٢، وتقطعوا أرحامكم. فأنزل الله تعالى هذه الآية : إنك لا تسمع الموتى .
لكن عندنا أن الله تعالى سمى [ الكفرة موتى ]٣ في غير آية٤ من القرآن لما لم يجهدوا أنفسهم في عبادة [ الله ]٥ ولا استعملوها في طاعته. فهم كالموتى، وسماهم صما لما لم يسمعوا الحق ولم يقبلوه، وسماهم بكما لما لم ينطقوا بالحق ولا تكلموا به، وسماهم عميا لما لم يبصروا الحق، وسماهم موتى لما لم يستعملوا أيديهم في الحق. فنفى عنهم هذه الحواس لما لم ينتفعوا بهذه الحواس، ولا استعملوها في ما أنشئت وخلقت، وإن كانت لهم هذه الحواس.
فعلى ذلك سماهم موتى وهلكى، وفي موضع آخر شبههم بالأنعام، وأخبر أنهم أضل [ الأعراف : ١٧٩ ] لما لم يستعملوا أنفسهم في ما أنشئت هي له، ولم ينتفعوا بها.
فإن قيل : ما معنى قوله : ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين أخبر أنه لا يقدر على أن يسمع الصم إذا ولوا مدبرين، ولا يقدر على أن يسمع الصم، وإن أتوا مقبلين، ولم يولوا قيل : معناه، والله أعلم، أنهم صاروا صما لا ينتفعون بما سمعوا لإعراضهم وترك مكان٦ النظر فيه، ولو أقبلوا إليه لانتفعوا به، فيصير مسمعا لهم ؛ يخبر عن شدة تعنتهم ومكابرتهم أنهم كالصم المدبرين، لا يمكن إسماعهم وتفهيمهم بجهد : بالإشارة والإيماء والله أعلم بذلك.
٢ - من م، في الأصل: ربكم..
٣ - في الأصل وم: الكافر ميتا..
٤ - في الأصل وم: آي..
٥ - من م، ساقطة من الأصل..
٦ - في الأصل وم: المكان.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم