يخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور، وفي حديث الصور : إن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه أولاً نفخة الفزع وبطولها، وذلك في آخر عمر الدنيا حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء، فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله وهم الشهداء فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وفي حديث مسلم الطويل قال :« فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً فيتمثل لهم الشيطان فيقول : ألا تستيجيبون؟ فيقولون : فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دارٌّ رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا. قال - وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال : فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطراً كأنه الطل - أو قال الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ [ الصافات : ٢٤ ] ثم يقال : أخرجوا بعث النار : فيقال : من كم؟ فيقال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون قال : فذلك يوم يجعل الولدان شيباً وذلك يوم يكشف عن ساق » وقوله : ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلاّ أصغى ليتا ورفع ليتا الليت هو صفحة العنق أي أمال عنقه ليستمعه من السماء جيداً، فهذه ( نفخة الفزع ) ثم بعد ذلك ( نفخة الصعق ) وهو الموت، ثم بعد ذلك ( نفخة القيام لرب العالمين ) وهو النشور من القبور لجيمع الخلائق، ولهذا قال تعالى : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ أي صاغرين مطيعين لا يتخلف أحد عن أمره كما قال تعالى : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : ٥٢ ].
وقال تعالى : ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ [ الروم : ٢٥ ] وفي حديث الصور : أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح فتوضع في ثقب في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعدما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح تتوهج، أرواح المؤمنين نوراً، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقول الله عزَّ وجلَّ : وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها، فتجيء الأرواح إلى أجسادها فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ، ثم يقومون ينفضون التراب من قبورهم، قال الله تعالى : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [ المعارج : ٤٣ ]، وقوله تعالى : وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب أي تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تمر مر السحاب أي تزول عن أماكنها، كما قال تعالى : يَوْمَ تَمُورُ السمآء مَوْراً * وَتَسِيرُ الجبال سَيْراً
[ الطور : ٩ - ١٠ ]، وقال تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً [ طه : ١٠٥ - ١٠٧ ]، وقال تعالى : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال وَتَرَى الأرض بَارِزَةً [ الكهف : ٤٧ ]، وقوله تعالى : صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي يفعل ذلك بقدرته العظيمة الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أتقن كل ما خلق وأودع فيه من الحكمة ما أودع، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ أي هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر وسيجازيهم عليه أتم الجزاء ثم بيَّن تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذٍ فقال : مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ، قال قتادة : بالإخلاص، وقال زين العابدين : هي لاإله إلاّ الله. وقد بين تعالى في الموضع الآخر أن له عشر أمثالها وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ، كما قال في الآية الأخرى : لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر [ الأنبياء : ١٠٣ ]، وقال تعالى : أَفَمَن يلقى فِي النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتي آمِناً يَوْمَ القيامة [ فصلت : ٤٠ ]، وقال تعالى : وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ [ سبأ : ٣٧ ]، وقوله تعالى : وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار أي من لقي الله مسيئاً لا حسنة له أو قد رجحت سيئاته على حسناته كل بحسبه، ولهذا قال تعالى : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . وقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك والحسن وقتادة في قوله وَمَن جَآءَ بالسيئة يعني بالشرك.
صفحة رقم 1895تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي