ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

ويوم ينفخ في الصور معطوف على قوله ويوم نحشر وعن ابن عمر أن أعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصور قال :" قرن ينفخ فيه " ١ رواه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان والحاكم وعن ابن مسعود نحوه رواه مسدد بسند صحيح وعن زيد بن أرقم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وأحنى جبهته وأصغى بالسمع متى يؤمر فسمع بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل " ٢
وروى أحمد والحاكم والبيهقي والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنه نحوه والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد نحوه وأبو نعيم عن جابر نحوه وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أبي سعيد الخذري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وهو صاحب الصور يعني إسرافيل " قال القرطبي علماء الأمة مجمعون على أن ينفخ في الصور إسرافيل ففرع من في السماوات من الملائكة وأرواح المؤمنين ومن في الأرض من الإنس اختلف العلماء في هذه النفخة هل هي الصعق أو غير ذلك فقيل النفخات ثلاث أولها نفخة الفزع تفزع منها الخلائق ثانيها نفخة الصعق تصعق أي تموت بها الخلائق ثالثتها نفخة البعث فهذه الآية تدل على نفخة الفزع.
وقوله تعالى : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون٦٨ ٣ تدل على نفخة الصعق ونفخة البعث وهذا اختيار ابن العربي وقد صرح بالنفخات الثلاث في حديث طويل لأبي هريرة وسنذكره من قريب وقيل هما نفختان فقط ونفخة الفزع هي نفخة الصعق قالوا الأمران متلازمان أي فزعوا فزعا ماتوا منه وهذا ما صححه القرطبي وأستدل بأنه استثنى من نفخة الفزع كما استثنى من نفخة الصعق حيث قال الله تعالى فيهما : إلا من يشاء الله فدل على أنهما واحد وهذا الاستدلال غير صحيح لأن الاستثناء منهما بقوله إلا ما شاء الله لا يدل على اتحاد النفختين ولا على إتحاد المستثنى فيهما وإن كان المستثنى منه في الكلامين واحد.
قال البغوي واختلفوا في هذا الاستثناء روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " سئل عن قوله تعالى : إلا ما شاء الله قال :" هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم لا يصل الفزع إليهم ".
ثم ذكر البغوي قول الكلبي ومقاتل وذكر الحديث كما سنذكر من بعد لكن قول البغوي بالاختلاف في هذه الآية مبني على اتحاد نفخة الفزع ونفخة الصعق والظاهر أنهما متغايران فلنذكر الأحاديث والآثار الواردة في الاستثناء.
روى أبو يعلى والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" سألت جبرئيل عن هذه الآية ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم ؟ قال : هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول عرشه " قالوا وإنما صح استثناء الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم قال البغوي : وفي بعض الآثار الشهداء ثنية الله عز وجل أي الذين استثناهم الله تعالى كذا روى هناد بن السري والبيهقي والنحاس في معاني القرآن عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : إلا من شاء الله قال هم الشهداء مقلدون السيوف حول العرش وقال الكلبي ومقاتل يعني جبرئيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام وذلك لما أخرج الفريابي في تفسيره عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله " قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله ؟ قال جبرئيل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل وحملة العرش فإذا قبض الله أرواح الخلائق قال لملك الموت من بقي ؟ قال سبحانك ربي تبارك تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام بقي جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت فيقول خذ نفس إسرافيل فيأخذ نفس إسرافيل فيقول يا ملك الموت من بقي ؟ فيقول سبحانك تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام بقي جبرئيل وميكائيل وملك الموت فيقول خذ نفس ميكائيل فيأخذ نفس ميكائيل فيقع كالطود العظيم فيقول يا ملك الموت من بقي ؟ فيقول بقي جبرئيل وملك الموت فيقول مت يا ملك الموت فيموت فيقول يا جبرئيل من بقي فيقول وجهك الكريم الباقي الدائم وجبرائيل الميت الفاني قال فلا بد من موتة فيقع ساجدا يخفق جناحيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم على ظرب من الظراب " وأخرج البيهقي عن أنس رفعه في قوله :" فنفخ في الصور " الآية قال فكان ممن استثنى الله ثلاثة جبرائيل وميكائيل وملك الموت فيقول الله وهو أعلم يا ملك الموت من بقي ؟ فيقول وجهك الباقي الكريم وعبدك جبرائيل وميكائيل وملك الموت فيقول : توف نفس ميكائيل فيقول وهو أعلم من بقي ؟ فيقول بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك جبرائيل وملك الموت فيقول توف نفس جبرائيل ثم يقول : وهو أعلم يا ملك الموت من بقي ؟ فيقول بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك ملك الموت وهو ميت فيقول : مت ثم يقول أنا بدأت والخلق ثم أعيده فأين الجبارون المتكبرون فلا يجيبه أحد ثم ينادي لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول هو الله الواحد القهار ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام تنظرون.
وأخرج البيهقي عن زيد بن أسلم قال الذي استثنى اثنا عشر جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وحملة العرش ثمانية وقال البغوي يروى أنه يقبض روح جبرائيل وميكائيل ثم روح حملة العرش ثم روح إسرافيل ثم روح ملك الموت وأخرج البيهقي عن مقاتل بن سليمان يقبض روح ميكائيل ثم روح جبرائيل ثم روح إسرافيل ثم يأمر ملك الموت فيموت.
وأخرج أبو الشيخ في كتاب العظمة عن وهب قال هؤلاء الأربعة جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت أول من خلقهم الله وآخر من يميتهم وأول من يحييهم هم المدبرات أمرا والمقسمات أمرا قال السيوطي لا تنافي بين هذه الروايات يعني روايات الاستثناء لإمكان الجمع بأن الجميع من المستثنى.
قلت : الأحاديث والآثار المذكورة كلها واردة في بيان الاستثناء الواقع في نفخة الصعق لا ما وقع في نفخة الفزع وعندي المستثنى في نفخة الفزع ما دل عليه قوله تعالى فيما بعد : من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون٨٩ وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ١٠١ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ١٠٢ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ٤ فإنه نص في أن المؤمنين الذين لا يدخلون النار ويدخلون الجنة لا يلحقهم الفزع لكن عند نفخة الفزع لا يكون من الناس إلا الكفار لقوله صلى الله عليه وسلم :" لا تقوم الساعة إلا على الأشرار " رواه أحمد ومسلم عن ابن مسعود وقوله صلى الله عليه وسلم :" لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن والقرآن " رواه السنجري عن ابن عمرو يدل على ذلك غيرها من الأحاديث ولهذا حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم المستثنى على أرواح الشهداء فإنهم أحياء عند ربهم وأما الملائكة وأرواح الأنبياء عليهم السلام فهم أيضا داخلون في المستثنى ولا يفزعون البتة والله أعلم.
روى ابن جرير في تفسيره والطبراني في المطولات وأبو يعلى في مسنده والبيهقي في البعث وأبو موسى المديني في المطولات وعلي بن معبد في كتاب الطاعة والعصيان وعبد بن حميد وأبو الشيخ في كتاب العظمة حديثا طويلا عن أبي هريرة ذكر فيه :" فينفخ ثلاث نفخات الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين فيأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول الله انفخ نفخة الفزع فينفخ فيفزع أهل السماء والأرض إلا من شاء الله إلى أن قال فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي أقطار الأرض فتتلقاهم الملائكة فتضرب وجوهها فترجع وتولى الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا والذي يقول الله يوم التناد إلى أن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" والأموات يومئذ لا يعلمون بشيء من ذلك قلت يا رسول الله فمن استثنى الله في قوله : إلا من شاء الله قال : أولئك الشهداء وإنما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحباء عند ربهم يرزقون وقاهم الله من فزع ذلك اليوم وأمنهم منه وهو عذاب يبعثه على أشرار خلقه يقول الله يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم الآية فيمكثون في ذلك ما شاء الله فيقول ملك الموت قد مات أهل السماوات والأرض إلا من شئت فيقول وهو أعلم فمن بقي ثم ذكر موت جبرائيل وميكائيل وحملة العرش وموت ملك الموت نحو ما تقدم من حديث أنس ثم ذكر الحديث بطوله إلى دخول أهل الجنة وبقاء أهل الخلود في النار.
فإن قيل هذا الفزع لا يكون إلا على شرار خلق الله من شيا طين الإنس والجن وليس أحد منهم في السماء فما معنى قوله تعالى : ففزع من في السماوات ؟ قلت : لعل ذلك على سبيل الفرض أو يقال إن الشياطين قد يذهبون على السماء لاستراق السمع أو يقال المراد بالسماء السحاب ونحو ذلك فإنه قد يطلق السماء على ما بفوقك قال الله تعالى : فليمدد بسبب إلى السماء ٥ يعني سقف بيتك أو يقال المراد بمن يفزع من أهل السماء أرواح بعض المؤمنين ويكون المراد بمن سبقت لهم الحسنى الأنبياء والمقربون الصديقون.
وأما المستثنى من نفخة الصعق فالقول فيه ما قال صاحب المفهم التحقيق أن المراد الضعف ما هو أعم من الموت فلمن لم يمت الموت ولمن مات الغشية وهذا من قبيل عموم المجاز وهذه الغشية يعم الأنبياء عليهم السلام إلا موسى عليه السلام فإنه حصل فيه تردد. روى الشيخان في الصحيحين والترمذي وابن ماجه واللفظة عن أبي هريرة قال : قال رجل من اليهود بسوق المدينة والذي اصطفى موسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه وقال أتقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قال الله تعالى : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات والأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون٦٨ " فأكون أول من رفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائم من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله " ٦ ولما كان الصعق بمعنى الموت أو الغشية يعم الأنبياء فيعم الشهداء بالطريق الأولى والملائكة أيضا والمستثنى منهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وحملة العرش فإنهم لا يموتون بالنفخة ويموتون بعد ذلك " كما مر في الأحاديث والله أعلم.
وكل أي كل واحد من أهل السماوات والأرض أتوه أي حاضرون الموقف بعد نفخة البعث أو راجعون إلى أمره وكذا قرأ الجمهور بالمد وضم التاء على صيغة إسم الفاعل وقرأ حفص وحمزة مقصورا وفتح التاء على صيغة الماضي ومعناه الاستقبال لتحقيق وقوعه عطف على فزع داخرين صاغرين

١ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع باب: ما جاء في شأن الصور (٢٤٣٠) وأخرجه أبو داود في كتاب: السنة باب: ذكر البعث والصور (٤٧٢٦)..
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع باب: ما جاء في شأن الصور (٢٤٣١)..
٣ سورة الزمر الآية: ٦٨..
٤ سورة الأنبياء الآية: ١٠١- ١٠٣..
٥ سورة الحج الآية: ١٥..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء باب: وفاة موسى وذكره بعد (٣٤٠٨) وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل باب: من فضائل موسى عليه السلام (٣٢٢٧)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير