ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

ثم ذكر النفخ في الصور، وما يكون بعده من الأهوال، فقال :
وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
يقول الحق جل جلاله : و اذكر يومَ يُنفَخُ فِي الصُّور ، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل - عليه السلام - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لما فرغ الله تعالى من خلق السماوات والأرض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرش، حتى يؤمر، قال : قلت : كيف هو ؟ قال : عظيم، والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه كعرض السماوات والأرض " وفي حديث آخر :" فيه ثقب بعدد كل روح مخلوقة، فيأمر بالنفخ فيه، فينخ نفخة، لا يبقى عندها في الحياة أحد، غير من شاء الله تعالى ؛ وذلك قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ [ الزمر : ٦٨ ]، ثم يؤمر بأخرى، فينخ نفخة لا يبقى معها ميت إلا بُعث ". وفي رواية :" فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح، كأنها النحل، فتملأ ما بين السماء والأرض، وتأتي كل روح إلى جسدها، كما تأتي النحل إلى وكرها. وذلك قوله تعالى : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ [ الزمر : ٦٨ ].
قال أبو السعود : والذي يستدعيه النظم الكريم أن المراد بالنفخ ها هنا : النفخة الثانية، وفي الفزع في قوله تعالى : ففزع من في السماوات ومن في الأرض ما يعتري الكل عند البعث والنشور، بمشاهدة الأمور الهائلة، الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق، من الرعب والتهيب، الضروريين، الجبلين في كل نفس. وإيراد صيغة الماضي مع كون المعطوف عليه مضارعاً ؛ للدلالة على تحقيق وقوعه. ه. وظاهره أن النفخ مرتان فقط، واعتمده القرطبي وغيره، وصحح ابن عطية أنها ثلاث، ورُوي ذلك عن أبي هريرة : نفخة الفزع ؛ وهي فزع حياة الدنيا، وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ونفخة القيام من القبور.
وقوله : إلا من شاء الله أي : ألاَّ يفزع، وهو من ثبّت الله قلبه، فإن قلنا : المراد بها النفخة الثانية، فالمستثنى : هم من سبقت لهم الحسنى، بدليل قوله : لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ [ الأنبياء : ١٠٣ ] وإن قلنا : هي نفخة الصعق، فالمستثنى : قيل : هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، لكن يموتون بعد صعق الخلق. وقيل : الحور وحَملةُ العرش، وإن قلنا : المراد نفخة الفزع في الدنيا، فالمستثنى : أرواح الأنبياء والأولياء والشهداء والملائكة.
ثم قال تعالى : وكلٌّ أَتَوْهُ بصيغة الماضي، أي : وكل واحد من المبعوثين عند النفخة حضروه في موقف الحساب، بين يدي الله جل جلاله، والسؤال والجواب : أو : وكل حاضروه، على قراءة اسم الفاعل، وأصله : آتيوه، حال كونهم داخرين : صاغرين أذلاء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من أراد أن يكون ممن استثنى الله من الفزع والهول، فليكن قلبه معموراً بالله، ليس فيه غير مولاه، ولا مقصود له في الدارين إلا الله، وظاهره معموراً بطاعة الله، متمسكاً بسنة رسول الله، هواه تابع لِما جاء من عند الله، لا شهوة له إلا ما يقضي عليه مولاه، فبهذا ينخرط في سلك أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين سبقت لهم الحسنى، لا يحزنهم الفزع الأكبر، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون. جعلنا الله من خواصهم، بمنِّه وكرمه آمين.
وقوله تعالى : وترى الجبالَ تحسَبها جامدةً... الآية. كذلك قلوب الراسخين في العلم بالله، لا تؤثر فيهم هواجم الأحوال والواردات الإلهية، بل تهزهم في الباطن، وظواهرهم ساكنة، كالجبال الراسية، قيل للجنيد : قد كنت تتواجدُ عند السماع، والآن لا يتحرك فيك شيء ؟ فتلى : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب .
وقوله تعالى : من جاء بالحسنة أي : بالخصلة الحسنة، وهي المعرفة فله خير منها وهو دوام النظرة والحبرة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ومن جاء بالسيئة هي الجهل بالله، فينكس وجهه عن مواجهة المقربين. والعياذ بالله.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير