تفسير المفردات : الصور : البوق، داخرين : أي أذلاء صاغرين.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ما يدل على كمال علمه وقدرته، وأبان بعدئذ إمكان البعث والحشر والنشر، ثم فصل القول في إعجاز القرآن، ونبه بذلك إلى إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم - أردف ذلك ذكر مقدمات القيامة وما يحدث من الأهوال حين قيامها، فذكر خروج دابة من الأرض تكلم الناس أنهم كانوا لا يؤمنون بآيات ربهم، وأنه حينئذ ينفخ في الصور، فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وأن الجبال تجري وتمر مر السحاب ؛ ثم بين أحوال المكلفين بعد ذلك وجعلهم قسمين : مطيعين يعملون الحسنات فيثابون عليها بما هو خير منها ويأمنون الفزع والخوف ساعتئذ، وعاصين يكبّون في النار على وجوههم ويقال لهم حينئذ هذا جزاء ما كنتم تعملون.
الإيضاح : ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله أي واذكر أيها الرسول لهم هول يوم النفخ في الصور، إذ يفزع من في السماوات ومن في الأرض، لما يعتريهم من الرعب حين البعث والنشور، بمشاهدة الأهوال الخارقة لعادة في الأنفس والآفاق، إلا من ثبّت الله قلبه.
ويرى أكثر أهل العلم أن هناك نفختين، نفخة الفزع المذكورة في هذه الآية وهي نفخة الصعق المذكورة في قوله تعالى : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض ( الزمر : ٦٨ )لأن كلا الأمرين الفزع والخوف، والصعق وهو الموت يحصلان بها، ونفخة البعث المذكورة في قوله تعالى : ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ( يس : ٥١ ).
وكل أتوه داخرين أي وكل هؤلاء الفزعين المبعوثين، حين النفخة يحضرون الموقف بين يدي رب العزة للسؤال والجواب، والمناوشة والحساب، أذلاء صاغرين، لا يتخلف أحد عن أمره كما قال : يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ( الإسراء : ٥٢ ).
وقال : ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ( الروم : ٢٥ )وقال : يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون ( المعارج : ٤٣ ).
ولما ذكر دخورهم أتبعه بدخور ما هو أعظم منهم فقال : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب .
تفسير المراغي
المراغي