ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

أَنَّا جَعَلْنَا اى خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ بالنوم والقرار وَالنَّهارَ مُبْصِراً كان أصله ليبصروا فيه فبولغ فيه يجعل الابصار حالا من أحواله المجعول عليه بحيث لا ينفك عنه وجملة انّا جعلنا قائم مقام المفعولين لقوله الم تروا فان الرؤية بمعنى العلم يعنى الم يعلموا بتعاقب النور والظلمة على وجه مخصوص نافع مناط لمصالح معاشهم ومعادهم انّ لها خالقا حكيما قادر قاهرا وان من كان قادرا على ذلك قادر على بعثة الرسل ليدعوا الخلق الى عبادته وقادر على الانعام والانتقام على اطاعته وعصيانه وقادر على ابدال الموت بالحياة كما هو قادر على ابدال الظلمة بالنور واليقظة بالنوم وقد دلت المعجزات على صدق الرسل وما جاءوا به إِنَّ فِي ذلِكَ الأمور لَآياتٍ دالة على التوحيد وصدق الرسول فاىّ عذر للمكذب بعده وقيد ثبوت الآيات بقوله لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لانهم هم المنتفعون بها قيل جملة الم يروا الى آخرها دليل للحشر فان تعاقب اليقظة النوم يدل على جواز تعاقب الحيوة الموت-.
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ معطوف على قوله ويوم نحشر عن ابن عمر ان أعرابيا سال رسول الله ﷺ عن الصور قال قرن ينفخ فيه. رواه ابو داود والترمذي وحسّنه والنسائي وابن حبان والحاكم وعن ابن مسعود نحوه رواه مسدد بسند صحيح وعن زيد بن أرقم قال قال رسول الله ﷺ كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن واحنى جبهته وأصغى بالسمع متى يؤمر فسمع بذلك اصحاب رسول الله ﷺ فشق عليهم فقال رسول الله ﷺ قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل- وروى احمد والحاكم والبيهقي والطبراني عن ابن عباس رض نحوه والترمذي والحاكم والبيهقي عن ابى سعيد نحوه وابو نعيم عن جابر نحوه واخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وهو صاحب الصور يعنى اسرافيل قال القرطبي علماء الأمم مجمعون على ان ينفخ فى الصور اسرافيل فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ من الملائكة وأرواح المؤمنين وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من الانس اختلف العلماء فى هذه النفخة هل هى الصعق او غير ذلك فقيل النفخات ثلاث أولها نفخة الفزع تفزع منها الخلائق ثانيتها نفخة الصعق تصعق اى تموت بها الخلائق ثالثتها نفخة البعث فهذه الاية تدل على نفخة الفزع وقوله تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون تدل على نفخة الصعق ونفخة البعث وهذا اختيار ابن العربي. وقد صرّح بالنفخات الثلاث فى حديث طويل لابى هريرة وسنذكره من قريب. وقيل هما نفختان فقط ونفخة

صفحة رقم 136

الفزع هى نفخة الصعق قالوا الأمر ان متلازمان اى فزعوا فزعا ماتوا منه وهذا ما صححه القرطبي واستدل بانه استثنى من نفخة الفزع كما استثنى من نفخة الصعق حيث قال الله تعالى فيهما إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فدلّ على انهما واحد- وهذا الاستدلال غير صحيح لان الاستثناء منهما بقوله الا ما شاء الله لا يدل على اتحاد النفختين ولا على اتحاد المستثنى فيهما وان كان المستثنى منه فى الكلامين واحد قال البغوي واختلفوا فى هذا الاستثناء روى عن ابى هريرة رضى الله عنه ان النبي ﷺ سئل عن قوله تعالى إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال هم الشهداء لانهم احياء عند ربهم لا يصل الفزع إليهم ثم ذكر البغوي قول الكلبي ومقاتل وذكر الحديث كما سنذكر من بعد لكن قول البغوي بالاختلاف فى هذه الاية مبنى على اتحاد نفخة الفزع ونفخة الصعق والظاهر انهما متغائران. فلنذكر الأحاديث والآثار الواردة فى الاستثناء روى ابو يعلى والحاكم وصححه والبيهقي عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال سالت جبرئيل عن هذه الاية وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ من الّذين لم يشاء الله ان يصعقهم قال هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول عرشه قالوا وانما صح استثناء الشهداء لانهم احياء عند ربهم قال البغوي وفى بعض الآثار الشهداء ثنية الله عزّ وجل اى الذين استثناهم الله تعالى كذا روى هناذ بن السرى والبيهقي والنحاس فى معانى القران عن سعيد بن جبير فى قوله تعالى الا من شاء الله قال هم الشهداء مقلدون السيوف حول العرش وقال الكلبي ومقاتل يعنى جبرئيل واسرافيل وملك الموت عليهم السلام وذلك لما اخرج الفريابي فى تفسيره عن انس قال قال رسول الله ﷺ ونفخ فى الصّور فصعق من فى السّموات ومن فى الأرض الّا من شاء الله قالوا يا رسول الله من هولاء الذين استثنى الله قال جبرئيل وميكائيل وملك الموت واسرافيل وحملة العرش فاذا قبض الله أرواح الخلائق قال لملك الموت من بقي قال سبحانك ربى تبارك تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام بقي جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت فيقول خذ نفس اسرافيل فياخذ نفس اسرافيل فيقول يا ملك الموت من بقي فيقول سبحانك تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام بقي جبرئيل وميكائيل وملك الموت فيقول خذ نفس ميكائيل فيأخذ نفس ميكائيل فيقع
كالطود العظيم فيقول يا ملك الموت من بقي فيقول بقي جبرائيل وملك الموت فيقول مت يا ملك الموت فيموت- فيقول يا جبرائيل من بقي فيقول وجهك الكريم الباقي الدائم وجبرئيل الميت الفاني قال فلا بد من موته فيقع ساجدا يخفق جناحيه قال رسول الله صلى الله ﷺ ان فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم على ظرب من الظراب. واخرج البيهقي عن

صفحة رقم 137

انس رفعه فى قوله فنفخ فى الصور الاية قال فكان ممن استثنى الله ثلاثة جبرئيل وميكائيل وملك الموت فيقول الله وهو اعلم يا ملك الموت من بقي فيقول وجهك الباقي الكريم وعبدك جبرئيل وميكائيل وملك الموت فيقول توف نفس ميكائيل فيقول وهو اعلم من بقي فيقول بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك جبرئيل وملك الموت فيقول توف نفس جبرئيل ثم يقول وهو اعلم يا ملك الموت من بقي فيقول بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك ملك الموت وهو ميت فيقول مت ثم يقول انا بدأت والخلق ثم أعيده فاين الجبارون المتكبرون فلا يجيبه أحد ثم ينادى لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول هو الله الواحد القهار ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ- واخرج البيهقي عن زيد بن اسلم قال الذي استثنى اثنا عشر جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت وحملة العرش ثمانية وقال البغوي يروى انه يقبض روح جبرئيل وميكائيل ثم روح حملة العرش ثم روح اسرافيل ثم روح ملك الموت واخرج البيهقي عن مقاتل بن سليمان يقبض روح ميكائيل ثم روح جبرئيل ثم روح اسرافيل ثم يأمر ملك الموت فيموت. واخرج ابو الشيخ فى كتاب العظمة عن وهب قال هؤلاء الاربعة جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت أول من خلقهم الله واخر من يميتهم وأول من يحييهم هم المدبّرات امرا والمقسّمات امرا. قال السيوطي لا تنافى بين هذه الروايات يعنى روايات الاستثناء لامكان الجمع بان الجميع من المستثنى. قلت الأحاديث والآثار المذكورة كلها واردة فى بيان الاستثناء الواقع فى نفخة الصعق لا ما وقع فى نفخة الفزع وعندى المستثنى فى نفخة الفزع ما دل عليه قوله تعالى فيما بعد مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ فانه نص فى ان المؤمنين الّذين لا يدخلون النار ويدخلون الجنة لا ينحقهم الفزع لكن عند نفخة الفزع لا يكون من الناس الا الكفار لقوله ﷺ لا تقوم الساعة الا على الأشرار- رواه احمد ومسلم عن ابن مسعود وقوله ﷺ لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض الله الله. رواه احمد ومسلم والترمذي عن انس وقوله ﷺ لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت- رواه عبد الرزاق فى الجامع وقوله ﷺ لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن والقران. رواه السنجري عن ابن عمر ويدل على ذلك غيرها من الأحاديث ولهذا حمل رسول الله ﷺ المستثنى على أرواح الشهداء فانهم احياء عند ربهم واما الملائكة وأرواح الأنبياء عليهم السلام فهم ايضا داخلون فى المستثنى ولا يفزعون البتة والله اعلم

صفحة رقم 138

روى ابن جرير فى تفسيره والطبراني فى المطولات وابو يعلى فى مسنده والبيهقي فى البعث وابو موسى المديني فى المطولات وعلى بن معبد فى كتاب الطاعة والعصيان وعبد بن حميد وابو الشيخ فى كتاب العظمة حديثا طويلا عن ابى هريرة ذكر فيه فينفخ ثلاث نفخات الاولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العلمين فيأمر الله اسرافيل بالنفخة الاولى فيقول الله انفخ نفخة الفزع فينفخ فيفزع اهل السماء والأرض الا من شاء الله. الى ان قال فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتى أقطار الأرض فتتلقاهم الملائكة فتضرب وجوهها فترجع وتولى الناس مدبرين ينادى بعضهم بعضا والذي يقول الله يوم التّناد الى ان قال قال رسول الله ﷺ والأموات يومئذ لا يعلمون بشئ من ذلك قلت يا رسول الله فمن استثنى الله فى قوله الا من شاء الله قال أولئك الشهداء
وانما يصل الفزع الى الاحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وقاهم الله من فزع ذلك اليوم وامنهم منه وهو عذاب يبعثه على اشرار خلقه يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ الاية فيمكثون فى ذلك ما شاء الله ثم يأمر الله اسرافيل بنفخة الصعق فصعق اهل السموات والأرض الا من شاء الله فيقول ملك الموت قد مات اهل السموات والأرض الا من شئت فيقول وهو اعلم فمن بقي ثم ذكر موت جبرئيل وميكائيل وحملة العرش وموت ملك الموت نحو ما تقدم من حديث انس ثم ذكر الحديث بطوله الى دخول اهل الجنة الجنة وبقاء اهل الخلود فى النار. فان قيل هذا الفزع لا يكون الا على شرار خلق الله من شياطين الانس والجن وليس أحد منهم فى السماء فما معنى قوله تعالى فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ قلت لعل ذلك على سبيل الفرض او يقال ان الشياطين قد يذهبون الى السماء لاستراق السمع او يقال المراد بالسماء السحاب ونحو ذلك فانه قد يطلق السماء على كل ما بفوقك قال الله تعالى فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ يعنى سقف بيتك او يقال المراد بمن يفزع من اهل السماء أرواح بعض المؤمنين ويكون المراد بمن سبقت لهم الحسنى الأنبياء والمقربون الصديقون- واما المستثنى من نفخة الصعق فالقول فيه ما قال صاحب المفهم التحقيق ان المراد بالصعق

صفحة رقم 139

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري

تحقيق

غلام نبي تونسي

الناشر مكتبة الرشدية - الباكستان
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية