ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛ

وقوله تعالى : من جاء بالحسنةِ فله خير منها : بيان لما أشير إليه بإحاطة علمه تعالى بأفعالهم من ترتيب أجزيتها عليها، أي : من جاء من أولئك الذين أتوه بالحسنة فله خير منها، باعتبار أنه أضعفها بعشر، أو : باعتبار دوامه وانقضائها، وعن ابن عباس رضي الله عنه :" الحسنة : كلمة الشهادة " وهم أي : الذين جاؤوا بالحسنات من فزَعٍ يومئذ أي : من فزع هائل، وهو الفزع الحاصل من مشاهدة العذاب، بعد تمام المحاسبة، وظهور الحسنات والسيئات. وهو المراد في قوله تعالى : لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ [ الأنبياء : ١٠٣ ].
وقال ابن جريج : حين يُذبح الموت ويُنادى : يا أهل الجنة ؛ خلود لا موت، ويا أهل النار ؛ خلود لا موت. فيكون هؤلاء من فزع يومئذٍ ، أي : يوم إذ ينفخ في الصور وما بعده آمنون لا يعتريهم ذلك الفزع الهائل، ولا يلحقهم ضرره أصلاً. وأما الفزع الذي يعتري كل من السماوات ومن في الأرض، غير ما استثناه اله تعالى، فإنما هو التهيب والرعب الحاصل في ابتداء النفخة، من معاينة فنون الدواهي والأهوال، ولا يكاد يخلو منه أحد بحكم الجبلة، وإن كان آمناً من لحوق الضرر. قال جميعه أبو السعود.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من أراد أن يكون ممن استثنى الله من الفزع والهول، فليكن قلبه معموراً بالله، ليس فيه غير مولاه، ولا مقصود له في الدارين إلا الله، وظاهره معموراً بطاعة الله، متمسكاً بسنة رسول الله، هواه تابع لِما جاء من عند الله، لا شهوة له إلا ما يقضي عليه مولاه، فبهذا ينخرط في سلك أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين سبقت لهم الحسنى، لا يحزنهم الفزع الأكبر، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون. جعلنا الله من خواصهم، بمنِّه وكرمه آمين.
وقوله تعالى : وترى الجبالَ تحسَبها جامدةً... الآية. كذلك قلوب الراسخين في العلم بالله، لا تؤثر فيهم هواجم الأحوال والواردات الإلهية، بل تهزهم في الباطن، وظواهرهم ساكنة، كالجبال الراسية، قيل للجنيد : قد كنت تتواجدُ عند السماع، والآن لا يتحرك فيك شيء ؟ فتلى : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب .
وقوله تعالى : من جاء بالحسنة أي : بالخصلة الحسنة، وهي المعرفة فله خير منها وهو دوام النظرة والحبرة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ومن جاء بالسيئة هي الجهل بالله، فينكس وجهه عن مواجهة المقربين. والعياذ بالله.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير