أولياؤه وبما يفعل أعداؤه. وقرئ: يَفْعَلُونَ بالياء والتاء (١)، [فمن قرأ بالتاء] (٢) فلأن ذكر الغيبة قد تقدم في قوله: وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للكافة، وقد يدخل الغيب في الخطاب، ولا يدخل الخطاب في الغيب (٣).
٨٩ - قوله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ قال ابن عباس: يريد: شهادة أن لا إله إلا الله. وهو قول ابن مسعود وسفيان ومجاهد وأبي مجلز وأبي صالح والحسن والسدي ومقاتل وإبراهيم وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء؛ كلهم قالوا: الحسنة: كلمة الإخلاص؛ شهادة أن لا إله إلا الله (٤).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).
(٣) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٠٨. و"معاني القراءات" للأزهري ٢/ ٢٤٨.
(٤) "تفسير مقاتل" ٦٢ ب. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٦، عن الحسن. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٢، عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وعكرمة. وأخرجه عنهم كذلك ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٤. و"تفسير مجاهد" ٢/ ٤٧٦. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ١٣٨ ب. وأخرجه الحاكم، عن عبد الله بن مسعود. المستدرك ٢/ ٤٤١، رقم: ٣٥٢٨. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأما الهواري فقد زاد على ذلك: وعمل صالحًا وعمل جميع الفرائض. "تفسير الهواري" ٣/ ٢٦٩. وهذا بناءً على مذهبه الإباضي، ولذا لما ذكر حديث جابر بن عبد الله؟ في "صحيح مسلم" ١/ ٩٤، كتاب الإيمان، رقم: ٩٤، (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) ورد عنده بهذا اللفظ: "من مات لا يشرك بالله شيئًا وعمل بفرائض الله دخل الجنة". ويشهد لدخول الجنة لمن حقق التوحيد حتى لو كان متلبسًا ببعض المعاصي حديث أبي ذَرَّ؟ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "أَتَانِي جبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لا يُشْرك باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وإنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ وَإِنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى". أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، رقم: ٧٤٨٧، "فتح الباري" =
والمعنى: من وافى يوم القيامة بالإيمان (١)، وكلمة الإخلاص فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا والخير يحتمل الاسم من غير تفضيل، ويحتمل التفضيل إذا قلت: خير من كذا. والمذهبان في الآية رُويا عن المفسرين؛ والأكثرون على أنه اسم من غير تفضيل.
قال ابن عباس: يريد: فله منها خير (٢)، وهو: الجنة (٣).
وقال مقاتل: فيها تقديم؛ يقول: له منها خير (٤).
قال ابن عباس: أي فمنها يصل إليه الخير (٥).
وقال الحسن مثلَ قول مقاتل (٦).
وقال عكرمة وابن جريج: ليس شيء خيرًا من: لا إله إلا الله، ولكن له منها خير (٧). والمعنى على هذا القول: له من تلك الحسنة خيرٌ يوم القيامة، وهو: الثواب والأمن من العذاب والجنة (٨). فهذا أحد المذهبين.
(١) "تفسير الثعلبي" ٨/ ١٣٨ ب.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٥.
(٣) ويشهد لهذا حديث جابر رضي الله عنه، قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار". أخرجه مسلم ١/ ٩٤، كتاب الإيمان، رقم: ٩٣.
(٤) "تفسير مقاتل" ٦٢ ب. وهو مذهب الهواري ٣/ ٢٦٩.
(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٣.
(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٣. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٩ أ.
(٧) أخرجه عنهما ابن جرير ٢٠/ ٢٣.
(٨) والجنة. في نسخة (ج).
والمذهب الآخر: أن خيرًا يراد به التفضيل، روي عن ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا يعني: الثواب؛ لأن الطاعة: فعل العبد، والثواب: فعل الله سبحانه وتعالى. وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا يعني: رضوان الله، قال الله تعالى: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: ٧٢].
وقال القرظي وابن زيد: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا يعني: الأضعاف يعطيه الله بالواحدة عشرًا فصاعدًا، وهذا خير منها. وعلى هذا الذي قالا، يجب أن يكون تفسير الحسنة: الفِعَلة الحسنة من صلاة وصدقة وتسبيحة، فيضعفها الله تعالى حتى تكتب أضعاف ما عمل، فيكون الإضعاف خيرًا مما عمل.
قوله تعالى: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرئ بالإضافة، وبالتنوين في فَزَعٍ (١). واختار أبو عبيد: الإضافة؛ قال: لأنه أعم التأويلين؛ وهو أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم. وإذا قال: مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ صار كأنه فزع دون فزع. واختار الفراء الإضافة أيضًا؛ قال: لأنه فزع معلوم، ألا ترى أنه قال: لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء: ١٠٣] فصيَّره معرفة، وإذا أضفته كان معرفةً، فهو أعجب إلى (٢).
قال أبو علي: إذا نون فَزَعٍ يجوز أن يُعنى به: فزعًا واحداً، ويجوز أن يُعنى به كثرة؛ لأنه مصدر، والمصادر تدل على الكثرة، وإن كانت منفردة الألفاظ، كقوله: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٠١. وهو اختيار ابن جرير ٢٠/ ٢٣
١٩] وكذلك إذا أضاف يجوز أن يُعنى: به مفرد (١)، ويجوز أن يعني به: كثرة (٢)؛ وعلى هذا: القراءتان سواءٌ لا فضل بينهما. قال: ومن نَوَّن قوله: مِنْ فَزَعٍ كان في انتصاب: يوم، ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يكون منتصبًا بالمصدر، كأنه: وهم من أن يفزعوا يومئذ. والآخر: أن يكون صفة لفزع؛ لأن أسماء الأحداث توصف بأسماء الأزمان، كما يخبر عنها بها، وفيه ذكر للموصوف، وتقديره في هذا الوجه أن يتعلق بمحذوف؛ كأنه: من فزعٍ يحدث يومئذ. والثالث: أن يتعلق باسم الفاعل كأنه: آمنون يومئذٍ من فزعٍ. وأما القول في إعراب: يوم، وبنائه إذا أضيف إلى: إذ، فقد ذكرناه فيما تقدم (٣).
فأما تفسير الفزع في هذه الآية؛ فإن أريد به: الكثرة فهو شامل لكل فزع؛ وهو الأولى، وإن أريد به واحد، فتفسيره ما ذكرنا في قوله: الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء: ١٠٣].
وقال الكلبي عن ابن عباس في هذه الآية: إذا أطبقت النار على أهلها فزع أهل النار فزعة لم يفزعوا مثلها، وأهل الجنة آمنون من فزعهم (٤).
(٢) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٠٩.
(٣) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٠٩. رجعت إلى كلام الواحدي في "البسيط"، في أكثر المواضع المتقدمة التي وردت فيها كلمة: يَوْمَئِذٍ فلم أجده فيحتمل أن يكون ذكر ذلك في سورة النساء الآية ٤٢ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وهو من القسم المفقود كما أفاد محقق سورة النساء. د المحيميد. وأما إعرابها فيوم: ظرف زمان منصوب، وإذا اسم ظرفي في محل جر مضاف إليه، والتنوين تنوين العوض عن جملة محذوفة. "الجدول في إعراب القرآن" ٢/ ٣٦٦.
(٤) "تنوير المقباس" ٣٢٢، بنحوه.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي