ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

ثم إنه تعالى حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم :
إن نَتَّبع الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ من أرْضِنَا ١، قال المبرد : الخطف الانتزاع بسرعة٢ نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنَّا لنعلم أنَّ الذي تقوله حقٌّ ولكنا إن اتَّبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة، فأجاب الله٣ عنه من وجوه الأول : قوله : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَماً آمِناً ، أي أعطاكم مسكناً لا خوف لكم فيه، إما لأن العرب يحترمون الحرم ولم يتعرضوا لسكانه، فإنه يروى أن العرب خارجة الحرم كانوا لا يتعرَّضون لسكان الحرم٤.
قوله :«نُتَخَطَّفُ » العامة على الجزم جواباً للشرط، والمنقريّ بالرفع٥، على حذف الفاء، كقوله :
٤٠١٣ - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا٦ ***. . .
وكقراءة «يُدْرِكُكُمْ »٧ بالرفع٨، أو على التقديم وهو مذهب سيبويه٩.
قوله : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَماً قال أبو البقاء عدَّاه بنفسه لأنه بمعنى «جَعَل » وقد صرحَّ به في قوله أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ١٠ [ العنكبوت : ٦٧ ] و «مَكَّنَ » متعد بنفسه من غير أن يضمَّن معنى «جَعَلَ » كقوله «مَكَّنَّاهُمْ »١١، وتقدم تحقيقه في الأنعام وآمناً قيل بمعنى مؤمن أي : يؤمن من دخله١٢، وقيل : هو على حذف مضاف، أي : آمناً أهله، وقيل فاعل بمعنى النسب أي، ذا أمن١٣.
قوله :«يُجْبَى » قرأ نافع بتاء التأنيث مراعاة للفظ ثمرات، والباقون بالياء١٤ للفصل ولأن تأنيثه مجازي والجملة صفة ل «حَرَماً » أيضاً١٥، وقرأ العامة «ثَمَرَاتُ » بفتحتين١٦ وأبان بضمتين١٧ جمع ثُمُر بضمتين، وبعضهم بفتح وسكون١٨.
قوله :«رِزقاً » إن جعلته مصدراً جاز انتصابه على المصدر المؤكِّد، لأن معنى «يُجبَى إليه » يرزقهم وأن ينتصب على المفعول له١٩، والعامل محذوف، أي يسوقه٢٠ إليه رزقاً، وأن يكون في موضع الحال من «ثَمَراتٍ » لتخصصها بالإضافة، ( كما ينتصب عن النكرة المخصصة )٢١، وإن جعلته اسماً للمرزوق٢٢ انتصب على الحال من «ثَمَرات »٢٣ ومعنى «يُجْبَى »، أي يجلب ويجمع، يقال : جبيت الماء في الحوض أي : جمعته٢٤ قال مقاتل : يحمل إلى الحرم ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَدُنَّا ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أن ما نقوله حق.

١ انظر الفخر الرازي ٢٥/٤..
٢ المرجع السابق..
٣ في ب: الله تعالى..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٥/٤، وأسباب النزول للواحدي ٢٥٢..
٥ انظر البحر المحيط ٧/١٢٦..
٦ صدر بيت من بحر البسيط، قاله حسان بن ثابت، أو عبد الرحمن بن حسان، وعجزه:
والشرّ بالشرّ عند الله مثلان
وتقدم تخريجه. والشاهد فيه هنا قوله: (الله يشكرها) حيث حذفت الفاء من جواب الشرط للضرورة، والأصل: فالله يشكرها..

٧ في النسختين: يدركُّم. من قوله تعالى: أينما تكونوا يدرككم الموت [النساء: ٧٨]..
٨ وهي قراءة طلحة بن حسان. المختصر (٢٧)..
٩ قال سيبويه: (وسألته عن قوله: "إن تأتني أنا كريمٌ"، فقال: لا يكون هذا إلا أن يضطر شاعر، من قبل أنا كريمٌ يكون كلاماً مبتدأ، والفاء وإذا لا يكونان إلا متعلقتين بما قبلهما فكرهوا أن يكون هذا جواباً حيث لم يشبه الفاء) الكتاب ٣/٦٤، وقال: (... فإن قلت: إن تأتني زيدٌ يقل ذاك، جاز على قول من قال: زيداً ضربته، وهذا موضع ابتداء، ألا ترى أنك لو جئت بالفاء فقلت: إن تأتني فأنا خيرٌ لك، كان حسناً، وإن لم يحمله على ذلك رفع وجاز في الشعر كقوله: الله يشكرها) الكتاب ٣/١١٤..
١٠ [العنكبوت: ٦٧]. وانظر التبيان ٢/١٠٢٤..
١١ من قوله تعالى: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكنّاهم في الأرض ما لم نمكِّن لكم [الأنعام: ٦]..
١٢ انظر معاني القرآن للفراء ٢/٣٠٨، التبيان ٢/١٠٢٤..
١٣ انظر التبيان ٢/١٠٢٤، القرطبي ١٣/٣٠..
١٤ السبعة (٤٩٥)، الكشف ٢/١٧٥، النشر ٢/٣٤٢، الإتحاف ٣٤٣..
١٥ أيضاً: سقط من ب..
١٦ في الأصل: بالفتحتين..
١٧ المختصر (١١٣)، المحتسب ٢/١٥٣، البحر المحيط ٧/١٢٦..
١٨ "ثمرات" المختصر (١١٣)، البحر المحيط ٧/١٢٦، ولم تعز إلى قارئ معين..
١٩ له: سقط من ب..
٢٠ في ب: يسوق..
٢١ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٢ في: للمرزق..
٢٣ انظر الكشاف ٣/١٧٤، البحر المحيط ٧/١٢٦..
٢٤ انظر الفخر الرازي ٢٥/٤..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية