ثم يقول الحق سبحانه١ :
{ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم
نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا
من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون٥٧ }
وهذه المقولة إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا.. ٥٧ [ القصص ] قالها الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، فقد ذهب إلى سيدنا رسول الله، وقال : إننا نعلم أنك جئت بالحق، ولكن نخاف إن آمنا بك واتبعنا هواك أن نتخطف من أرضنا، ولابد أنه كان يتكلم بلسان قومه الذين ائتمروا على هذا القول.
والخطف : هو الأخذ بشدة وسرعة.
إذن : فهم يقرون للرسول بأنه جاء بالحق، وأنه على الهدى، لكن علة امتناعهم أن يتخطفوا، وكان عليهم أن يقارنوا بعقولهم بين أن يكونوا مع رسول الله على الحق وعلى الهدى ويتخطفوا، وبين أن يظلوا على كفرهم.
فقصارى ما يصيبهم إن اتبعوا رسول الله أن يتخطفهم الناس في أموالهم أو في أنفسهم – على فرض أن هذا صحيح- قصارى ما يصيبهم خسارة عرض فإن من الدنيا لو استمر لك لتمتعت به مدة بقائك فيها، وهذا الخير الذي سيفوتك من الدنيا محدود على مقتضى قوة البشر، ولا يضيرك هذا إن كنت من أهل الآخرة حيث سيذهب إلى الخير باق دائم، خير يناسب قدرة المنعم سبحانه.
أما إن ظلوا على كفرهم، فمتاع قليل في الدنيا الفانية، ولا نصيب لهم في الآخرة الباقية. إذن : فأي الطريق أهدى ؟ إن المقارنة العقلية ترجع طريق الهدى واتباع الحق الذي جاء به رسول الله، هذه واحدة.
ثم من قال إنكم إن اتبعتم الهدى مع رسول الله تتخطفوا وتضطهدوا ؟ لذلك يرد الله عليهم : قل لهم يا محمد : كذبتم، فلن يتخطفكم أحد بسبب إسلامكم : أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون٥٧ [ القصص ]
فقد أنعم الله عليكم وأنتم كافرون مشركون به، تعبدون الأصنام في جاهلية، ومكن لكم حياة آمنة في رحاب بيته الحرام، ووفر لكم رغد العيش وأنتم بواد غير ذي زرع حيث يجبى إليه الثمرات من كل مكان، فالذي صنع معكم هذا الصنيع أيترككم ويتخلى عنكم بعد أن آمنتم به، واهتديتم إلى الحق ؟ كيف يكون منكم هذا القياس ؟
ومعنى : أو لم نمكن لهم.. ٥٧ [ القصص ] استفهام للتقرير، فاسألهم وسوف يعترفون هم أن الله مكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء، فالحق سبحانه يريد أن يثبت هذه القضية بإقرارهم بها.
ومعنى نمكن لهم.. ٥٧ [ القصص ] نجعلهم مكينين فيه، كما في قوله تعالى : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض.. ٢١ [ يوسف ] والتمكين يدل على الثبات ؛ لأن ظرف المكان ثابت على خلاف ظرف الزمان.
وقال : حرما آمنا.. ٥٧ [ القصص ]مع أن الأمن لمن في المكان، لكن أراد سبحانه أن يؤمن نفس المكان، فيكون كل ما فيه آمنا، حتى القاتل لا يقتض منه في الحرم، والحيوان لا يثار فيه ولا يصاد، والنبات لا يعضد حتى الحجر في هذا المكان آمن، ألا تراهم يرجمون حجرا في رمي الجمرات في حين يكرمون الحجر الأسود ويقبلونه.
وحينما نتأمل الحرم منذ أيام الخليل إبراهيم – عليه السلام – نجد أن له خطة، وأن الحق سبحانه يعده ليكون حرما آمنا، فلما جاءه إبراهيم قال : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم.. ٣٧ [ إبراهيم ]
هذا يعني أن المكان ليس به من مقومات الحياة إلا الهواء، لأن نفي الزرع يعني عدم وجود الماء ؛ لذلك اعترضت السيدة هاجر على هذا المكان القفر، فلما علمت أنه اختيار الله لهم قالت : إذن لن يضيعنا٢.
وقد رأت بنفسها أن الله لم يضيعهم، فلما احتاجت الماء لترضع وليدها وسعت في طلبه بين الصفا والمروة سبعة أشواط على قدر ما أطاقت لم تجد الماء في سعيها، ولو أنها وجدته لكان سعيها سببا إنما أراد الله أن يصدقها في كلمتها، وأن يثبت لها أنه سبحانه لن يضيعهم من غير أسباب لتتأكيد أن كلمتها حق، ثم شاءت قدرة الله أن يخرج الماء من تحت قدم الوليد، وهو يضرب بقدمه الأرض، ويبكي من شدة الجوع والعطش، وانبجست زمزم.
ولما أسكن إبراهيم أهله في هذا المكان المقفر أراده لهم سكنا دائما، لا مجرد استراحة من عناء السفر ؛ لذلك قال : ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات.. ٣٧ [ إبراهيم ]
وكأنه – عليه السلام – يريد أن يطمئن على إقامة أهله في هذا المكان، وأن يكون البيت مصلى لله، لا تنقطع فيه الصلاة، وهذا هو الفرق بين بيت الله باختيار الله وبيت باختيار عباد الله.
فالبيت الذي نبنيه لله تعالى قد يغلق حتى في أوقات الفروض، أما بيت الله الذي اتخذه لنفسه فلا يخلو من الطواف والصلاة في أي وقت من ليل أو نهار، ولا ينقطع منه الطواف إلا لصلاة مكتوبة، فإذا قضيت الصلاة رأيتهم يهرعون إلى الطواف.
وقد رأيت الحرم في إحدى السنوات وقد دهمه سيل جارف حتى ملأ ساحته، ودخل الماء الكعبة وغطى الحجر الأسود، فكان الناس يطوفون سباحة، ورأينا أناسا يغطسون عند الحجر ليقبلوه، وكأن الحق – سبحانه وتعالى – يريد أن يظل الطواف بيته لا ينقطع على أي حال.
كذلك نفهم من قوله تعالى تهوي إليهم.. ٣٧ [ إبراهيم ]
من الفعل هوى يهوي، يعني : سقط ؛ لأن الذي يسقط لا إرادة له في عدم السقوط، كذلك من يأتي بيت الله أو يجلب إليه الخيرات يجد دافعا يدفعه كأنه لا إرادة له.
كما نفهم منها معنى آخر، فكل تكاليف الحق سبحانه ربما تكاسل الناس في أدائها، فمنا من لا يصلي أو لا يزكي، إلا الحج حيث قال الله فيه : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا.. ٢٧ [ الحج ] فمجرد أن تؤذن يأتوك.
لذلك نجد من غير القادرين على نفقات الحج من يجوع ويمسك على أهله ليوفر تكاليف الحج، فهو – إذن – الفريضة الوحيدة التي يتهافت عليها من لم تطلب منه.
ونلحظ أن إبراهيم – عليه السلام – دعا بالأمن للحرم مرتين : مرة في قوله : رب اجعل هذا بلدا آمنا.. ١٢٦ [ البقرة ]يعني : اجعل هذا المكان بلدا آمنا، كأي بلد آمن لا تقام إلا في مكان يؤمنون فيه كل مقومات الحياة، فأي بلد لا تبنى حتى من الكافر إلا إذال كان آمنا فيها، فالطلب الأول أن يتحول هذا المكان الخالي إلى بلد آمن، كما يأمن كل بلد حين ينشأ، وهذا أمن عام.
ثم يدعو مرة أخرى رب اجعل هذا البلد آمنا.. ٣٥ [ إبراهيم ] بعد أن أصبحت مكة بلدا آمنا يطلب لها مزيدا من الأمن، وهذا أمن خاص، حيث جعلها بلدا حراما، يأمن فيها الإنسان والحيوان والنبات، بل والجماد.
وقد وقف البعض عند قوله تعالى :
ومن دخله كان آمنا.. ٩٧ [ آل عمران ]
وقالوا : أين هذا الأمن، وقد حدث في الحرم الاعتداء والقتل وترويع الآمنين، كما حدث في أيام القرامطة لما دخلوا الحرم، وقتلوا الناس فيه، وأخذوا الحجر، وفي العصر الحديث نعرف حكاية جهيمان، وما حدث فيها من قتل في الحرم.
وهذه الآية : ومن دخله كان آمنا.. ٩٧ [ آل عمران ] جملة خبرية غرضها الأمر والحث، كأنه تعالى قال : أمنوا من دخل الحرم، وهذه ليست قضية كونية، إنما قضية شرعية، وفرق بيه القضيتين : الكونية لابد أن تحدث، أما الشرعية فأمر ينفذه البعض، ويخرج عليه البعض، فمن أطاع الأمر الشرعي لله وأراد أن يجعل أمر الله صادقا يؤمن أهل الحرم، ومن أراد أن يكذب ربه يهيج الناس ويروعهم فيه.
ومن الآيات التي كثيرا ما يسأل عنها في هذا الصدد قوله تعالى : الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيتات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات.. ٢٦ [ النور ] يقولون : كثيرا ما يتزوج خبيث من طيبة، أو طيبة من خبيث، فالواقع لا يتفق مع الآية. نقول أيضا هنا : هذه قضية شرعية تحمل أمرا قد يطاع وقد يعصى، وليست قضية كونية لابد أن تأتي كما أخبر الله تعالى بها، ولا يتخلف مدولولها.
فالمعنى في الآية : إن زوجتم فزوجوا الخبيث للخبيثة، والطيب للطيبة ؛ ليتحقق التكافؤ بين الزوجين ويحدث بينهما الوفاق، حتى إن عير الخبيث زوجته كانت مثله تستطيع أن ترد عليه، لابد من وجود التكافؤ حتى في ( القباحة )، وإلا فكيف تفعل الطيبة مع الخبيث، أو الخبيث مع الطيبة ؟
إذن : فالآية وأمثالها قصية شرعية في صيغة الخبر، وإن كانت تعني الأمر، كما تقول عن الميت : رحمة الله بصيغة الماضي، وأنت لا تدري رحمه الله، أو لم يرحمه، إذن : لابد أن المعنى دعاء : فليرحمه الله، قتلها أنت بصيغة الماضي، رجاء أن تكون له الرحمة.
نعود إلى قوله تعالى أو لم نمكن لهم حرما آمنا.. ٥٧ [ القصص ]ونلحظ هذا التمكين وهذا الأمن في قصة الفيل، حيث جاء أبرهة ليهدم الكعبة، ويتقدم الجيش فيل ضخم يقال له محمود، فلما قالوا في أذنه ( ابرك محمود وارجع راشدا )٣يعني : انفد بجلدك ( فإنك ببلد الله الحرام ) فبرك الفيل واستجاب.
ثم جاءت معركة الطير الأبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول. هذا كله من الأمن الذي جعله الله لقريش سكان حرمه ؛ لتظل الكعبة مسكونة بهم، وما داموا هم سكان الحرم والناس تأتيهم من كل الأنحاء للحج كل عام، فسوف يظل لهم الأمن بين القبائل، ولا يجرؤ أحد على الاعتداء عليهم، أو التعرض لقوافلهم في رحلة الشتاء والصيف، وأي أمن، وأي مهابة بعد هذا ؟
ومع الحجيج يجلب الطعام وتجلب الأرزاق، وصدق الله العظيم : لإيلاف قريش١ إيلافهم رحلة الشتاء والصيف٢ فليعبدوا ربه هذا البيت٣ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف٤ [ قريش ]
وكيف بعد هذا الأمن والأمان يخاف من يؤمن بمحمد أن يتخطف من أرضه ؟ إنها مقولة لا مدلول لها.
.
٢ أخرجه البخاري في صحيحه (٣٣٦٤) من حديث ابن عباس من حديث طويل، وفيه أن إبراهيم جاء بهاجر وابنها إسماعيل – وهي ترضعه – حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه ثمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا)).
.
٣ أورده ابن هشام في السيرة النبوية (١/٥٢)، والذي قال للفيل: ابرك. هو نفيل بن حبيب الخثعمي. وفيه ((أنهم ضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوه في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن (المحجن: عصا معقفة الرأس) لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك)).
.
تفسير الشعراوي
الشعراوي