فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام فى نفر من قريش فقالوا لهم: خيّبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال، ما رأينا ركبا أحمق منكم، فقالوا لهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خير.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٦ الى ٥٧]
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)
تفسير المفردات
الهداية: تارة يراد بها الدعوة والإرشاد إلى طريق الخير وهى التي أثبتها الله لرسوله فى قوله «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» وتارة يراد بها هداية التوفيق وشرح الصدر بقذف نور يحيا به القلب كما جاء فى قوله: «أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً» وهى بهذا المعنى نفيت عن رسول الله ﷺ فى هذه الآية، يجبى إليه: أي يجمع إليه، يقال جبى الماء فى الحوض: أي جمعه، والجابية:
الحوض العظيم، والخطف: الانتزاع بسرعة ويراد به هنا الإخراج من البلاد.
المعنى الجملي
بعد أن أبان فيما سلف أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى آمنوا به، وجاءوا إليه زرافات ووحدانا من كل فج عميق، وجابوا الفيافي وقطعوا البحار للإيمان به،
بعد أن سمعوا أخباره، وترامت لهم فضائله وشمائله، وقد كان فى هذا مقنع لقومه أن يؤمنوا به وأن تحدثه نفسه الشريفة بالطمع فى إيمانهم، ودخول الهدى فى قلوبهم والانتفاع بما آتاه الله من العرفان، فتكون لهم به السعادة فى الدنيا والآخرة- أردف ذلك الآية الأولى تسلية له ﷺ إذ لم ينجع فى قومه الذين يحبهم ويحرص عليهم أشد الحرص- إنذاره وإبلاغه، فيقبلوا ما جاء به، بل أصرّوا على ما هم عليه، وقالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى، فكانوا على عكس قوم هم أجانب عنه آمنوا بما جاء به، وقالوا إنه الحق من ربنا.
وقد استفاضت الأخبار بأن الآية نزلت فى أبى طالب،
فقد أخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي والبيهقي فى الدلائل عن أبى هريرة قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة أتاه النبي ﷺ وقال يا عماه: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله يوم القيامة، فقال: لولا أن تعيّرنى قريش، يقولون ما حمله على ذلك إلا جزعه من الموت لأقررت بها عينك، فأنزل الله (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) » الآية.
ونزل فى الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف حين أتى النبي ﷺ فقال: نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب ونحن أكلة رأس (يريد: إنا قليلو العدد) أن يتخطفونا- قوله تعالى: (وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى) الآية.
الإيضاح
(إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) أي إنك لا تستطيع هدى من أحببت من قومك أو من غيرهم هدى موصلا إلى البغية، فتدخله فى دينك وإن بذلت كل مجهود، وإنما عليك البلاغ، والله يهدى من يشاء، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.
وبمعنى الآية قوله: «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ».
وقوله: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ».
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي