تفسير المفردات : يجبي إليه : أي يجمع إليه، يقال جبى الماء في الحوض : أي جمعه، والجابية : الحوض العظيم، والخطف : الانتزاع بسرعة ويراد به هنا الإخراج من البلاد.
المعنى الجملي : بعد أن أبان فيما سلف أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى آمنوا به، وجاؤوا إليه زرافات ووحدانا من كل فج عميق، وجابوا الفيافي وقطعوا البحار للإيمان به، بعد أن سمعوا أخباره، وترامت لهم فضائله وشمائله ؛ وقد كان في هذا مقنع لقومه أن يؤمنوا به وأن تحدثه نفسه الشريفة بالطمع في إيمانهم، ودخول الهدى في قلوبهم والانتفاع بما آتاه الله من العرفان ؛ فتكون لهم به السعادة في الدنيا والآخرة ؛ أردف ذلك الآية الأولى تسلية له صلى الله عليه وسلم إذ لم ينجع في قومه - الذين يحبهم ويحرص عليهم أشد الحرص - إنذاره وإبلاغه، فيقبلوا ما جاء به ؛ بل أصروا على ما هم عليه، وقالوا : لولا أوتي مثل ما أوتي موسى. فكانوا على عكس قوم هم أجانب عنه آمنوا بما جاء به، وقالوا إنه الحق من ربنا.
وقد استفاضت الأخبار بأن الآية نزلت في أبي طالب ؛ فقد أخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة أتاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال :" يا عماه ؛ قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله يوم القيامة ". فقال : لولا أن تعيّرني قريش- يقولون ما حمله على ذلك إلا جزعه من الموت - لأقررت بها عينك. فأنزل الله : إنك لا تهدي من أحببت الآية.
ونزل في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف - حين أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : نحن نعلم أنك على الحق ؛ ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب- ونحن أكلة رأس ( يريد : إنا قليلو العدد ) أن يتخطفونا - قوله تعالى : وقالوا إن نتبع الهدى الآية.
الإيضاح : ثم أخبر سبحانه عن اعتذار بعض الكفار في عدم إتباعهم للهدى فقال :
وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أي وقالوا : نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين أن يقصدونا بالأذى، ويحاربونا ويجلونا من ديارنا.
فرد الله عليهم مقالتهم وأبان لهم ضعف شبهتهم فقال :
أولم نمكن حرما آمنا يجبي إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا أي إن ما اعتذرتم به لا يصلح أن يكون عذرا، لأنا جعلناكم في بلد أمين، وحرم معظم منذ وجد، فكيف يكون هذا الحرم آمنا لكم حال كفركم وشرككم ولا يكون أمنا لكم وقد أسلمتم واتبعتم الحق ؟ قال يحيى بن سلام : يقول : كنتم آمنين في حرمي، تأكلون رزقي، وتعبدون غيري، أفتخافون إذ عبدتموني وآمنتم بي ؟ وقد تفضل عليكم ربكم وأطعمكم من كل الثمرات التي تجلب من فجاج الأرض والمتاجر والأمتعة من كل بلد رزقا منه لكم.
ولكن أكثرهم لا يعلمون أي ولكن أكثرهم جهلة لا يفطنون إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم ومن ثم قالوا ما قالوا، وقد كان من حقهم أن يعلموا أن تلك الأرزاق إنما وصلت إليهم من ربهم، فهو الذي يخشى ويتقى لا سواه من المخلوقين.
تفسير المراغي
المراغي