[ الآية ٥٧ ] وقوله تعالى : وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا دل قولهم : إن نتبع الهدى معك هو على أنهم عرفوا ما جاء به رسول الله، ويدعوهم إليه، هو الهدى حين١ قالوا : إن نتبع الهدى معك وقوله تعالى : نتخطف من أرضنا يخرج لهم هذا وجهين :
أحدهما : أي نهلك، ونفنى جوعا، إذا خالفنا أهل الآفاق في الدين، لأن أرزاقهم وما به قوام أبدانهم إنما يحمل، ويمار من الآفاق. فيقولون : إنا إذا اتبعنا الهدى معك، وخالفناهم في الدين، فأهل الآفاق منعونا الميرة، فنهلك، ونموت جوعا، فذلك تخطفهم من الأرض.
والثاني : قالوا ذلك مخافة أن يغزوا، ويؤسروا، أو يقتلوا إذا خالفوا أهل الآفاق والأطراف في الدين، واتبعوا الهدى مخافة الأسر والقتل.
فأجابهم الله، ورد عليهم اعتلالهم في الوجهين.
فقال [ في الوجه الأول ]٢ أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا يقول، والله أعلم : إنا جعلناهم في الحرم آمنين، وما يمتار إليهم من أنواع الثمرات باللطف، لا بموافقة الدين.
ألا ترى أنهم مع موافقة الدين كانوا يتخطفون الناس منهم حين٣ قال في آية أخرى : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ؟ [ العنكبوت : ٦٧ ] أخبر أنهم مع موافقتهم في الدين كانوا يتخطفون. دل أنه إنما جعل لهم الحرم مأمنا والميرة إليهم باللطف لا بالموافقة في الدين حتى [ لا يتعرض ]٤ لأهل الحرم في الحرم ولا خارجا منه، ولا يتعرض من دخل الحرم بشيء ليعلم أنه كان ذلك باللطف من الله لا بالموافقة.
[ وفي ]٥ الثاني : إنه مع ما كانوا يعبدون الأصنام دون الله فيه، لا يمنعهم الرزق، ويؤمنهم فيه ؛ فلأن يفعل ذلك بهم عند عبادتهم [ الله تعالى وتركهم عبادة ]٦ غيره أحق أن يرزقوا، ويأمنوا فيه.
وقوله تعالى : يجبى إليه ثمرات كل شيء أي من كل جنس ونوع من الثمرات يجبى إليه. وظاهره أن يجبى إليه من كل شيء أرفعه وأنفعه ؛ وذلك [ ثمره، أن ثمر ]٧ كل شيء أرفعه وأنفعه. يقال : ثمرة الشيء كذا، وثمرة هذا الكلام كذا، أي ما ينتفع من هذا هذا، والله أعلم.
وقوله تعالى : ولكن أكثرهم لا يعلمون أي ولكن أكثرهم لا يعلمون أن٨ أي ما يحمل إليهم من الآفاق، ويجبى إليهم من الثمرات والأطعمة إنما هو باللطف لا بموافقة الدين. وكذلك لا يعلمون أن أمنهم فيه باللطف لا بموافقة الدين، والله أعلم.
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - في الأصل وم: حيث..
٤ - من م، في الأصل: يتعرضوا..
٥ - في الأصل وم: و..
٦ - من م، ساقطة من الأصل..
٧ - في الأصل وم: ثمرته لأن ثمرة..
٨ - في الأصل وم: أي..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم