قوله تعالى : اتل مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب يعني القرآن لتعلم أن «نوحاً » و «لوطاً » وغيرهما كانوا على(١) ما أنت عليه بلغوا الرسالة، وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة، وهذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ( وشرّف وكرّم )(٢).
قوله : وَأَقِمِ الصلاة إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشاء والمنكر الفحشاء : ما قَبُحَ من الأعمال، والمنكر ما لا يُعْرَف في الشرع. قال ابن مسعود(٣)، وابن عباس : في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعداً(٤)، وقال الحسن وقتادة(٥) : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وَبَالٌ عليه، ورُوِيَ عن أنس بن مالك(٦) قال :«كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ثم ( لا )(٧) يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حالُه فقال :«إنَّ صلاته تنهاهُ يوماً » فلم يلبث أن تاب(٨) وحَسُنَ حاله، وقال ابن عون(٩) : معنى الآية : إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام(١٠) فيها، وقيل : المراد بالصلاة القرآن كما قال : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها (١١)، أي بقراءتك، وأراد أنه يقرأ القرآن في الصلاة، فالقرآن يَنْهَاهُ عن الفحشاء والمنكر.
قوله : وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ أي ذكر الله أفضل الصناعات، قال عليه ( الصلاة و )(١٢) السلام :«أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بخيرِ أَعْمَالِكُمْ وأزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وأرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ وخَيْرٍ منْ إعطَاءِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وأن تَلْقوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْربُوا أعْنَاقَهُمْ ويَضْرِبُوا أعْنَاقَكُمْ » قالوا : ماذا(١٣) يا رسول الله ؟ قال : ذِكْرُ الله(١٤) وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أيّ العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة ؟ قال : الذَّاكِرُونَ الله كثيراً، قالوا يا رسول الله : ومِنَ الغازي(١٥) في سبيل الله، فقال : لو ضرب بسيفه الكفارَ والمشركين حتى ينكسر أو يَخْتَضِبَ(١٦) دماً لكان الذاكرون الله كثيراً أفضل منهُ(١٧) » وروى أبو هريرة قال :«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير في طرق مكة فمرَّ على جَبلٍ يقال له : حَمْدَان، فقال : سيروا هذا حَمْدان(١٨). سبق المُفْرَدُونَ، قالوا : وما المفردون يا رسول الله ؟ قال : الذاكرون الله كثيراً والذاكرات ».
قيل : معنى قوله : ولذكر الله أكبر أي ذكر الله إياكم أفضلُ من ذكركم إياه رُوِيَ(١٩) ذلك عن عبد الله(٢٠)، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير(٢١)، ويروى مرفوعاً عن موسى بن(٢٢) عُقْبة عن نافع عن ابن عمر(٢٣) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال عطاء(٢٤) في قوله : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر من أن يَبْقَى معه معصية والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ قال عطاء : لا يخفى(٢٥) عليه شيء.
٢ زيادة في "ب" وانظر: تفسير الفخر الرازي ٢٥/٦٩ و ٧٠..
٣ ابن مسعود: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب أبو عبد الرحمن الكوفي أحد السابقين الأولين روى ثمانمائة حديث وثمانية وأربعين، روى عنه خلق من الصحابة ومن التابعين علقمة، ومسروق، والأسود مات سنة ٣٢ هـ، انظر خلاصة الكمال ٢١٤..
٤ القرطبي ١٣/٣٨٤..
٥ لم أجده في القرطبي ١٣/٣٤٨، ولا في فتح القدير ٤/٢٠٥ ولا في ابن كثير ٣/٤١٤ وقد اعتبر ابن كثير كثيراً من هذه الأشياء المروية موقوفة قال: "ولأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والأعمش وغيرهم والله أعلم"، انظر: تفسير ابن كثير ٣/٤١٤..
٦ تقدم..
٧ ساقط من (ب)..
٨ انظر: تفسير القرطبي ١٣/٣٤٨ فتح القدير ٤/٢٠٥..
٩ ابن عون هو عبد الله بن عون أبو عون الخراز البصري رأى أنس بن مالك مات سنة ١٥١ هـ تهذيب التهذيب ٥/٣٤٦..
١٠ المراجع السابقة..
١١ الإسراء: ١١٠..
١٢ ساقط من "ب"..
١٣ الحديث أخرجه ابن جرير، وابن أبي شيبة عن أبي الدرداء. انظر: روح المعاني للألوسي ٢٠/٦٥ وجامع الأحاديث للسيوطي ٣/٣١٣، وفي "ب" ما ذاك..
١٤ في "ب ذكر لله..
١٥ في "ب" المغازي بالميم..
١٦ في "ب" والتخضب..
١٧ أخرجه أحمد في الزهد وابن المنذر عن معاذ بن جبل. انظر: روح المعاني للألوسي ٢٠/١٦٥..
١٨ أخرجه الترمذي وحسنه، وابن مردويه عن أبي هريرة وأبي الدرداء "سيروا سبق المفردون قيل يا رسول الله ومن المفردون؟ قال: الذين يهتزون في ذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفاف". انظر: تفسير الدر المنثور ٦/٤٥٥..
١٩ في "ب" ويروى..
٢٠ هو ابن مسعود وسبق التعريف به..
٢١ القرطبي ١٣/٣٤٩..
٢٢ موسى بن عقبة الأسدي مولاهم المدني عن أم خالد، وعلقمة بن وقاص، وعنه يحيى الأنصاري وابن جريج مات سنة ١٤١ هـ. انظر: خلاصة الكمال ٢٩٢..
٢٣ ابن عمر: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عبد الرحمن المكي، هاجر مع أبيه، له ألف وستمائة حديث وثلاثون حديثاً عنه بنون: سالم وحمزة، وغيرهما، مات سنة ٧٤ هـ، انظر: خلاصة الكمال ٢٠٧..
٢٤ عطاء؛ هو عطاء بن أبي رباح القرشي مولاهم أبو محمد الجندي اليماني نزيل مكة، وأحد الفقهاء والأئمة عن عثمان، وعتاب بن أسيد وعنه أيوب وحبيب وثابت مات سنة ١١٤ هـ خلاصة الكمال ٢٦٦..
٢٥ البحر ٧/١٥٣..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود