ثم خاطب تعالى رأس أهل الإيمان بقوله تعالى : اتل ما أوحي إليك من الكتاب أي : القرآن الجامع لكل خير لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة، وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.
ولما أرشد تعالى إلى مفتاح العلم دلّ على قانون العمل بقوله تعالى : وأقم الصلاة أي : التي هي أحق العبادات، ثم علل ذلك بقوله تعالى : إنّ الصلاة تنهى أي : توجد النهي وتجدّده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها عن الفحشاء أي : عن الخصال التي بلغ قبحها والمنكر وهو ما لا يعرف في الشرع، فإن قيل : كم من مصلّ يرتكب الفحشاء ؟ أجيب : بأنّ المراد الصلاة التي هي الصلاة عند الله تعالى المستحق بها الثواب بأن يدخل فيها مقدّماً للتوبة النصوح متقياً لقوله تعالى : إنما يتقبل الله من المتقين ( المائدة، ٢٧ ) ويصليها خاشعاً بالقلب والجوارح، فقد روي عن حاتم : كأنّ رجليّ على الصراط والجنة عن يميني والنار عن شمالي وملك الموت من فوقي وأصلي بين الخوف والرجاء، ثم يحوطها بعد أن يصليها ولا يحبطها فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقال ابن مسعود وابن عباس : إن الصلاة تنهى وتزجر عن معاصي الله عز وجل فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله تعالى إلا بعداً، وقال الحسن وقتادة : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه، وقيل من كان مراعياً للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السيئات يوماً ما، فقد روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل فقال :«إن صلاته لتردعه ».
وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف له فقال : إنّ صلاته ستنهاه فلم يلبث أن تاب، وقال ابن عوف : معنى الآية إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها، وعلى كل حال فإنّ المراعي للصلاة لا بدّ أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها، وأيضاً فكم من مصلين تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا يقتضي أن لا يخرج واحد من المصلين عن قضيتها كما تقول : إن زيداً ينهى عن المنكر فليس غرضك أنه ينهى عن جميع المناكر وإنما تريد أن هذه الخصلة موجودة فيه وحاصلة منه من غير اقتضاء للعموم، وقيل : المراد بالصلاة القرآن كما قال تعالى : ولا تجهر بصلاتك ( الإسراء : ١١٠ ) أي : بقراءتك وأراد به من يقرأ القرآن في الصلاة فالقرآن ينهاه عن الفحشاء والمنكر، روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن رجلاً يقرأ القرآن الليل كله ويصبح سارقاً قال :«ستنهاه قراءته ».
ولما كان الناهي في الحقيقة إنما هو ذكر الله أتبع ذلك بقوله تعالى : ولذكر الله أكبر أي : لأنّ ذكر المستحق لكل صفات كمال أكبر من كل شيء فذكر الله تعالى أفضل الطاعات، قال صلى الله عليه وسلم :«ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إعطاء الذهب والفضة وأن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا : وما ذاك يا رسول الله قال : ذكر الله » وسئل صلى الله عليه وسلم أي : العبادة أفضل عند الله درجة يوم القيامة قال :«الذاكرون الله كثيراً، قالوا يا رسول الله ومن الغازين في سبيل الله فقال : لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دماً لكان الذاكر الله كثيراً أفضل منه درجة ».
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على جبل في طريق مكة يقال له جمدان فقال :«سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيراً والذاكرات » أو والصلاة أكبر من غيرها من الطاعات وسماها بذكر الله كما قال تعالى : فاسعوا إلى ذكر الله ( الجمعة : ٩ ) وإنما قال ولذكر الله أكبر ليستقلّ بالتعليل كأنه قال والصلاة أكبر لأنها ذكر الله، وعن ابن عباس : ولذكر الله تعالى إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته، وقال عطاء : ولذكر الله أكبر من أن يتقى معه معصية.
والله أي : المحيط علماً وقدرة يعلم أي : في كل وقت ما تصنعون من الخير والشرّ فيجازيكم على ذلك.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني