وختم هذا الربع الذي اشتمل على كثير من المثلات والعبر، وتحدث عما حضر وعما غبر، بخطاب إلهي رقيق، موجه إلى الرسول الأعظم بالأصالة، وإلى كل فرد من أفراد أمته بالتبع، فقال تعالى مخاطبا لنبيه في البداية : اتل ما أوحي إليك من الكتاب وكأنه يقول له : لا تفتر عن تلاوة القرآن، ففيه وصف الداء والدواء، وفيه الشفاء والعزاء، وهو المدد الدائم الممدود حبله إليك من السماء، ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون [ الحجر : ٩٧ ]، ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون [ النمل : ٧٠ ].
ثم قال تعالى مخاطبا لنبيه : وأقم الصلاة حرصا على دوام الصلة مع الله في السراء الضراء، والشدة والرخاء. وبين كتاب الله الأثر العميق الذي تحدثه إقامة الصلاة والمواظبة عليها في سلوك المصلين وحياتهم الخاصة والعامة، متى أقاموها على الوجه الصحيح، فقال تعالى : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، إذ ما من جزء من اجزاء الصلاة إلا وقد جعل الله فيه ذكرا مقرونا بعمل، حتى يظل المصلي حاضرا مع الله قلبا وقالبا، ولا يتعرض أثناء صلاته للغفلة عن مناجاة الله، أو شرود الذهن عن الوقوف بين يديه، ومن حكمة الله أن جعل أول عمل من أعمالنا كل يوم إذا أصبحنا هو صلاة الصبح، حتى نفتتح النهار بمناجاة الله ومخاطبة الحق، قبل أن نشرع في لقائنا العادي مع أمثالنا من الخلق، وبذلك تكون بركة الصلاة سارية في حياتنا اليومية، وروحها مهيمنة عليها، من بداية اليوم إلى نهايته وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل [ هود : ١١٤ ].
ثم قال تعالى : ولذكر الله أكبر ، فمن ذكر الله في صلاته ذكر حضور وخشوع وإجلال واستحياء، خرج من صلاته متنكرا لكل " منكر " ومتبرئا من كل " فحشاء "، وإنما كان ذكر الله في الصلاة أجل عمل فيها، وكانت الصلاة مؤدية إلى هذه النتيجة، لأن ذكر الله، بيقظة ووعي، يستدعي استذكار صفاته وكمالاته، واستذكار نعهم وإمداداته، واستذكار رسالاته إلى أنبيائه، واستذكار حسابه وجزائه، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون [ الماعون : ٤، ٥ ]. على أن ذكر الله في كل مقام، يعد من أفضل وأكمل العبادات في الإسلام والله يعلم ما تصنعون .
الربع الأول من الحزب الواحد والأربعين في المصحف الكريم
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري